ومضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ راضيًا مَرْضيًّا، وهو لا يسمح حتى النفَس الأخير مِن حياته الشريفة، بأن تُثار هذه المسألة.
ولم تَثُرْ هذه المسألة في عهد سيدنا أبي بكر لانشغال المسلمين بتَوْطِيدِ دعائم الأمة الإسلامية مُنصَرِفينَ بذلك عن العبَث في دين الله.
وكانت دِرَّةُ سيدنا عمر كفيلةً بردِّ كل مَن تُحدثه نفسُه بإثارة هذه المشكلة إلى جادَّة الصواب. ومسألة القدَر إذنْ: مِن المُتشابه، إنها مِن أهم مسائل المتشابه، وهي فضلًا عن ذلك عصيَّة على الحلِّ. إنها ليست قابلةً للحل، وهي ليست قابلةً للحل سواء أُثيرتْ في الشرق أو في الغرب، وسواء أثيرت في القديم أو في الحديث، أو أثيرت في البادية أو في الحضَر، إنها مُفرِّقة بين الباحثينَ فيهَا، ومهما طال الجدل بينهم فلن يَنتهوا إلى نتيجة، ومِن أجل ذلك كانت الروح الإسلامية العامة تُحرِّم الخوض فيها.
ومع ذلك فقد بدأت هذه المشكلة تتسلَّل شيئًا فشيئًا، إلى المجتمع الإسلامي حتى لقد احتلَّت يومًا مَا مركز الصدارة في الفكر الإسلامي النظري.
ولقد مهَّدت السياسة أولا لهذا التسلُّل وكانت السياسة أول عاملٍ مِن عوامل إفساد التفكير النظري الديني في المجتمع الإسلامي السليم.
كتب معاوية بن أبي سفيان ـ بعد أن تولَّى المُلك ـ إلى المُغيرة بن شعبة، يَطلب منه أن يكتب إليه الحديث الذي كان يقوله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أحيانًا، وهو على المنبر. فكتب إليه المغيرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول: في دُبُرِ كل صلاة إذا سلَّم:
"لا اله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، اللهمَّ لا مانِعَ لمَا أعطيتَ ولا مُعطِيَ لمَا مَنَعْتَ، ولا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ، ولا يَنفعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدّ". وأخذ معاوية يُذيع هذا الحديث الشريف مِن على المنابر مُؤمنًا بأنه مِن عوامل توطيد مَركزه في الأمة.