ولكن بعض الباحثينَ لم يلتزموا حُدودهم كأفراد مِن البشر، وغيَّرهم عقلُهم، وخدَعهم شيطانُهم: فحاولوا بعقولهم على الله ما لم يُنزل به سلطانًا، فكانت المشكلة الثانية في علْم الكلام ـ مشكلة الصفات ـ التي أثارت الجدَل والخصومة والتفرقة بين المسلمين، جعلتهم فِرَقًا تَتَنَابَزُ وتتخاصم، ويرمي بعضُها بعضًا بالانحراف والضلال.
(ب) ونشأت المشكلة حينما بدأ الباحثون يتعرَّضون للآيات التي ورَدت في القرآن الكريم والتي تُوهم التشبيه، كاليد والاستواء، أو التي وردت في الأحاديث كالنُّزول: والصورة، والأصابع.
بدأت المشكلة حينما تعرَّض بعض الباحثين لهذه الألفاظ وأمثالها تأويلًا لها أو نفْيًا لمعناها أو تفسيرًا أو شرحًا.
ومنذ أن بدأ الحديث فيها بدأ الجدَل حولها والنزاع، واستمر خلال العصور عصرًا تِلْوَ عصرٍ، ولا يزال للآن يُثار الجدل بين أنصار الإمام الأشعري وأنصار الإمام ابن تيمية.
وكان النزاع حول موضوع الصفات وصلتها بالذات على وجْه العموم يَسير في هدوء أحيانًا وفي عُنف أحيانًا أخرى.
وقد تُولد عنه كثير مِن المشاكل الدامية، كمشكلة خلْق القرآن، والمشاكل المُبلْبِلة الأفكار والخواطر كمُشكلة"الصلاح والأصْلح"، وُجِدت هذه المشاكل وكثُرت كدليلٍ واضح على عجز العقل البشري تجاه العظمة اللانهائية للإلهية.
ومع الإخفاق المُتتابع في البحث في هذا الموضوع منذ الآماد المُتطاولة، فإن البشرية لم تَرْعَوِ، ولم تَتَّعظ، ولا تزال مُستمرة في البحث تتخبَّط فيه وتتنازع وتتجادل وتَختصم.
(ج) والحِكْمة كل الحكمة ـ إذن ـ إنما هي في موقف سلَفِنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ فقد هدَتْهم نزعتهم الدينية السليمة إلى الموقف السليم فـ"قدَروا الله حقَّ قدْره"وقدَروا أنفسهم حق قدْرها، فسلِموا مِن البلبلة، والاضطراب. وسلِموا مِن التنازع والاختلاف، وكانوا فِرْقة واحدة.