لقد اتَّخذوا مبدأً أساسيًّا، وقاعدةً لا مراء فيها ولا شك هي قوله تعالى: (ليسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . وهذه الآية تنسف كل تشبيهٍ نسْفًا مُطلقًا، فاحترز سلَفُنا الصالح عن التشبيه حتى لقد قالوا: مَن حرَّك يدَهُ عند قراءة قوله تعالى: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . أو أشار بإصبعه عند رواية الحديث الشريف:
"قلبُ المؤمنِ بين إصبعينِ مِن أصابعِ الرحمنِ". وَجَبَ قَطْعُ يده وقطْع إصبعه. احترز السلف عن التشبيه، ولكنهم احترزوا عن التعطيل ـ أيضًا ـ فهم يُثبتون لله اتباعًا للقرآن: الإرادة، والعلم، والصفات الكريمة التي ورَد بها القرآن الكريم.
والموقف الذي يَقفه مَن أراد متابعةَ السلَف الصالح ـ إذن ـ تجاه كلمات الصورة واليد، والنزول، إنما هو الإيمان بها مع التنزيه لله ـ تعالى ـ عن الجسْمية وتوابعها، وليس معنى ذلك أن هذه الألفاظ مُعطَّلة عن المعنى، بل لها معنى يَليق بجلال الله وعظمته وممَّا ليس بجِسم، ولا عرَض في جسم.
وأن يُؤمن بأن ما وَصف الله ـ تعالى ـ به نفسه أو وصَفه به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو كما وصَفه، وحقَّ بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي قاله.
وألا يُحاول لها تفسيرًا ولا تأويلًا. وشعار السلف معروف في أمثال هذه الكلمات إنه:"أمِرُّوهَا كمَا جاءَتْ". وكانوا يذكرون في هذه الظروف الآية القرآنية الكريمة: (هوَ الذي أنزلَ عليكَ الكتابَ منهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أمُّ الكتابِ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فأَمَّا الذينَ في قُلوبهمْ زَيْغٌ فيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنه ابتغاءَ الفِتْنَةِ وابْتَغَاءَ تَأْوِيلِهِ ومَا يَعلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللهُ والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقولونَ آمَنَّا بهِ كُلٌّ مِن عندِ رَبِّنَا ومَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو الأَلْبَابِ) . ولا مَناصَ، لمَن يُريد أن يَحترز عن الزيْغ مِن أن يَمتنع عن التأويل والتفسير، وأن يَمُرَّ بهذه الكلمات كما جاءت.