إننا جميعًا نُجِلُّ الشيخ: محمد عبده، ونحترمه، ونَدِينُ له بكثيرٍ مِن تخليص الدِّين مِن الخُرافات والأساطير، ولكن حينما نقرأ له تفسيرَ قصةِ آدمَ فنجده يقول: بأنها تَمثيل، نتساءل: لم اتَّجه الشيخ: محمد عبده هذا الاتجاه؟ لِمَ اتَّجه في قصة آدم إلى أنها تَمثيل؟ حينما نتساءل حقيقةً عن السِّرِّ العَميق ـ في الشعور وفي اللاشعور ـ نجد أن الشيخ: محمد عبده رأى أن فكرة التطور مُنتشرة في جميع أرجاء أوربا، بل العالَم، وهي فيما يرى ـ تتعارَض هي والتعاليم التي تُنْبِئُ أن آدم هو أول البشر، وهو الذي خلَقه اللهُ وسوَّاه، وخاطَب الملائكة في شأنه وأمَرهم أن يَسجدوا له.
رأى الشيخ: محمد عبده أن كل ذلك لا يتلاءم كثيرًا مع فكرة التطور المَزْعُومة، فماذا صنَع؟ قرَّر بأنها قصة، وأنها تمثيلٌ، وبذلك يُمكننا أن نُؤَوِّلَها كيفما شِئْنَا.
كما رأى الشيخ: محمد عبده أن يُفسِّر اختلاف رسالات الرُّسل وتَعاقُبها بأنها حِسِّيَّة في زمن موسى، فكانت رسالة سيدنا موسى حِسِّيَّة، ثم تطورت الإنسانية مِن الحسِّ إلى العاطفة، فكانت رسالة سيدنا عيسى عاطفيةً، ثم تطوَّرت الإنسانية مِن الحسِّ، والعاطفة إلى العقْل، فكانت رسالة سيدنا محمد عقليَّة.
ورأيي أن الإنسانية لم تتطوَّر هذا التطوُّر، وأن الإنسانية أينما سِرْنَا، وعند أيِّ فردٍ رأينا، وفي أيِّ مجتمع شاهدنا ـ فإنما يتمثَّل فيها جوانبُ ثلاثة: الحِسُّ، والعاطفة، والعقْل، ولكن فكرة التطوُّر، وأن الإنسانية مُتطوِّرة انتهت، بأن أصبحت مُسيطرة على الكثيرين، فانقادُوا لها، وأدخلوها في مُحيط الدين، فأَفسدتْ كثيرًا مِن القضايا، ونَعُود فنترحَّم على الشيخ: محمد عبده، وإذا كُنَّا ننتقدُه فلأننا نعلم أنه رحِمَه الله، كان مِن سَعة الصدْر ومِن سَعة الأُفُق بحيث لا يَضيقُ بنَقْدٍ، ونعتقد أنه لا يَضيق الآن بنَقْدِنا.