أخَذ سيدنا مُوسى قومَهُ مِن مصر فَارًّا بهمْ، ولم يُقاتل، ولم يُجاهد، وحينَ أدرَكه فرعونُ لم يتوجَّه إلى القتال وإلى الجِهاد، وإنَّما تَوَجَّه إلى الله، فأمَره بضرْب البحر بعَصاه، فضرَب البحر، فانْفلقَ، فكان كل فرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيم، ومَرَّ موسى وقومُه آمِنِينَ دُونَ جِهادٍ ودون كِفاحٍ.
وسيدنا عيسى لم يتوجَّه إلى القتال ولا الكِفاح، في سبيل إعلاء كلمة الله التي هي الحقُّ والخير.
ولكن إذا جِئْنَا إلى سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإننا نجد مُباشرةً العزْم المُصَمِّم، والإرادة النافذة، يجب أن يَدين العالَم لله، وأن يُسلم وَجْهه لله، لتِلك الرسالة الإسلامية ويجب أن يقف محمد ـ صلوات الله عليه ـ ولو بمُفرده ـ في وَجْه العالَم كله، في وجه الكوْن بأَكمله، في وجه هذه الدنيا.
يجب أن يَدِينَ العالَم، يجب أن تَدِينَ السماء والأرض، وأن يَدين البشر بأجمعهم لرسالة السماء، ووقف سيدنا محمد يُجاهد ويُجالِد، ويُكافح، ويَتخطَّى العَقبات، ويتغلَّب على الصعوبات إلى أن انتهى به الأمر إلى النصر الكامِل بالكفاح في سبيل الحق، الكفاح إذنْ جزءٌ لا يتجزَّأ مِن الرسالة الإسلامية، إنه الكِفاح مِن أجْل الله لا مِن أجْل مادة الشيوعيينَ، الكفاح مِن أجل الله لا مِن أجْل أهواء الوُجوديِّينَ، إن الرسالة الإسلامية رسالةُ رحمةٍ، ورسالة كِفاحٍ مِن أجل الرحمة، ورَسولها خير مُعبِّر عنها بسُلوكه ومَواقفه، فمَن لم يتأسَّ بالرسول، ومَن لم يُكافح في سبيل الإسلام، فليس له أن يفخر بأنه مُسلم فضلًا عن أن يزعم أنه مُسلمٌ مِثاليٌّ:
تغلَّب محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كل عَقبة، وزلْزلَ كل صعوبة، وحطَّم كل صنَم، وانتهى به الأمر إلى أنْ شاهد ارتفاع الأذان الإسلامي فوق الكعبة، وفي مكة التي كانت تأبَى كل الإبَاء أن تَدِينَ لله، وأن تُسلم وَجْهَهَا إلى الله وحده.