وكان دائمًا متفائلًا، كان متفائلًا حتى ولو كان العدو عشرةَ أمثال المسلمين. لقد كان المشركون في غزوة بدر ثلاثة أمثال المسلمين، فهزمهم المسلمون بإذن الله. وكان انهزام المسلمين في غزوة أحد شذوذًا في القاعدة، وما كان ذلك إلا لأنهم خالفوا متأوِّلِين أوامرَ الرسول صلى الله عليه وسلم. غير أن تفاؤله ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ لم يفارقه لحظة، إذ إنه بعد أن انهزم المسلمون في غزوة أحد مباشرة أمرهم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بِلَمِّ شَعَثِهم وتضميد جراحهم والاستعداد فورًا لخوض المعركة من جديد.
ومن مظاهر تفاؤله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه في غزوة الأحزاب وقد تجمع الشرك من جميع أرجاء الجزيرة، يسانده اليهود والغادرون لِيَقضوا على الإسلام في المدينة؛ لِيَقضوا عليه دينًا ولِيَقضوا عليه دولةً، لِيَقضوا عليه عقيدةً ولِيَقضوا عليه رجالًا، وقد كان المسلمون يعملون في حفر الخندق حمايةً لهم ومنعًا من وصول العدو إليهم، وفي هذه اللحظة الحرجة يروي البَرَاء بن عازب، رضي الله عنه، القصة التالية حسبما رواها الإمام أحمد:
أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفر خندق لا تأخذ فيه المَعَاول، فشكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المِعْوَل وقال:"باسم الله"فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال:"الله أكبر، أُعطِيتُ مفاتيحَ الشام، والله إني لأُبصر قصورها الحمر من مكاني هذا"ثم قال:"باسم الله"وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال:"الله أكبر، أُعطِيتُ مفاتيحَ فارس، والله إني لأُبصر المدائن، وأُبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"ثم قال:"باسم الله"وضرب ضربة أخرى فقلَع بقية الحجر، فقال:"الله أكبر، أُعطِيتُ مفاتيحَ اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا".