عالِمهم وصاحب رَحْلهم ومُجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وصاحب مَدارسهم، وكان رجلًا مِن رجال العرب مِن بني بكر بن وائل، ولكنه تنَصَّر، فعَظَّمتْه الروم ومُلوكها، وشرَّفوه، وبَنَوْا له الكنائس، وخدموه؛ لمَا يَعلمونه مِن صلابته في دِينهم، وكان يَعرف أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصِفَتَه وشأنه ممَّا علِمَه مِن الكتُب المتقدمة، ولكنه استمر في النصرانية لمَا يرى مِن تعظيمه فيها وَجَاهِه عند أهلها، قال ابن إسحاق: وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدِموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المَدينة فدَخلوا عليه مَسجده حين صلَّى العصر، عليهم ثياب الحَبَرات جِيَبٌ وأرْدِيَةٌ، يقول مَن رآهم مِن أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانَتْ صلاتُهم، فقاموا في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"دَعُوهُمْ". فَصَلُّوا إلى المَشرق قال: فكلَّم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلاًّ من أبي حارثة بن علقة والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم، وهم مِن النصرانية على دين المَلِك مع اختلاف أمرهم، يقولون: هو الله، أي"عيسى"، ويقولون: هو وَلَدُ الله، ويقولون: هو ثلاثة، تعالَى الله عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا، وفي كل ذلك مِن قولهم نزل القرآن.
فلمَّا كلَّمه حَبْرَانِ قال لهما ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أسْلِمَا"، قالا: قد أسلمنا قال:"إنَّكُمَا لم تُسلِمَا، فأَسْلِمَا."قالا: بلَى قد أسلمنا قَبْلَكَ، قال: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكمَا مِن الإسلام ادِّعاؤكما أن للهِ وَلَدًا، وعبادتُكما الصليب وأَكْلُكُمَا الخنزير.
قالا: فمَن أَبُوهُ يا محمد؟ فصمَت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يُجِبْهما، فأنزلَ الله في ذلك قولَهم وأمرهم في سورة آل عمران في بِضْعٍ وثمانين منها.