ومِن أجل ذلك لم يُنتج الثمرات المرجوة، ثم هو طريق صعب المُرتقَى؛ لأنه يُعارض النزعات الحيوانية في الإنسان، ويُحاول السُّمُوَّ بها وإعلاءها، ويُريد أن يَرقَى بالإنسان إلى ما يقرب من المستوى الروحي الملائكي.
ولكنَّ بني البشر في الأغلب منهم يَخْلُدونَ إلى الأرض ويتَّبعون أهواءهم. لذلك كانت قِلَّة قليلة تلك الفئة التي حاولت اتباع هذا التيار في صرامة وإخلاص.
أما الأغلبية العظمى مِن اليونان فقد اتبعوا التيار الذي يعتمد على العقل البشري اعتمادًا كُليًّا، وكان زعيمهم الأكبر في ذلك أرسطو فهو الذي وطَّد أركان العقل البشري، وأشاد به كأساس للبحْث في عالَم ما وراء الطبيعة وفي عالَم الفضيلة أو الخير.
وما كان العقل في يوم من الأيام ـ عند الحكماء المصريين أو حكماء الهنود ـ أهلًا لأنْ يكون مصدر المعرفة في عالَم الغيب .
وأخذ العقل ـ عقل أرسطو ومَن لفَّ لفَّهُ ـ يُجادل ويُماري في الحقائق ـ صغُرت أو كبُرت، دقَّتْ أو جَلَّتْ، واضحةً كانت كوضوح النهار أو خفيَّةً كأنها غُلِّفت بقِطْع من الليل المُظلم، وتجرَّأت أقلامهم على تناول الغيب وعالَم الخير بالإنكار أو الشك أو ترجيح الوجود أو تَوَجُّبِ العدَم.
وحاول كل زعيم أن يُصور الأمر في هذين الميدانينِ ـ ميدان ما وراء الطبيعة وميدان الأخلاق ـ بحسب مِزاجه وأهوائه، وبحسب ما تُمليه عليه ثقافته وبيئته، وبحسب ما تُمليه عليه طبيعته الجِسمانية وجِبَلَّتُه الخُلقية.
وانتهى الأمر بأن حاول المُثبتون الردَّ، فحاول المنكرون تعليل الرفْض: وزالت قُدسية الموضوع، وأصبحنا أمام جوٍّ مِن اللُّجاج والمُماراة لا يَليق بجلال الله وعَظمته: (مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .