فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 1350

ولو قيَّض الله للبيئة اليونانية جوًّا مِن الخير والهُدى، ولو أنعم الله عليهم بنشأة رسول فيهم، لمَا كان هذا الانحراف الذي انتشر فيهم، منذ أرسطو وانتشار الوباء الخبيث والذي تغلغل حتى وصل به الأمر وهو انحراف مُنحرف ـ إلى أن أصبح وكأنه الوضْع الطبيعي، فساد في كل بيئةٍ، وغَزَا كل عقل، وكلما تقدم به الزمن ازداد رُسوخًا وثباتًا، وازداد انتشارًا حتى لقد غزَا الأديان نفسها التي تأبَى أن تُقرَّه أو تعترف به، لقد تغلغل في المسيحية فوضَع رجال المسيحية مسألةَ وُجود الله وقضية الفضيلة موضع البحث ونزلوا إلى مجال المُجادلة والمُماراة.

وأخذ هذا الوضع يتخطَّى القرون حتى جاء الإسلام فوضع الأمر في نِصابه ووجَّه الأذهان إلى أن الأمر الأساسي إنما هو مسألة الوحدانية"أشهد أن لا اله إلا الله"، وجَّه الإسلام الأذهان في عُنف، وفي قوة إلى التوحيد، لا إلى إثبات الوجود، لقد وجَّه الأذهان إلى أن الله لا يحتاج في ثباته وفي وُجوده إلى دليل، وهو ـ على العكس ـ الدليل على غيره فغيره ثابت به، والعالَم ثابت به، والسماوات والأرض والعرْش والكرسي. كل ذلك موجود بوُجوده ثابت بثباته والوجود بأكمله محتاج في كل لحظة إليه فضلًا عن احتياجه إليه في نشأته الأولى ووُجوده الأصلي (إنَّ اللهَ يُمسكُ السمواتِ والأرضَ أنْ تَزُولا) . إنه يُمسكها في كلِّ آونة وفي كل لحظة فإذا ما تخلَّى عنهما طرْفة عينٍ تلاشتَا فكانتَا هباءً وكانتَا عَدَمًا، وكل ذرة في العالَم، وكل خلية في كائناته إنما ثباتها بالله وقيامها به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت