وإنى أكشف القناع لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم بأن الأحاديث النبوية لم تدوَّن إلى مائة سنة أو تسعين سنة قد أخطأ والتاريخ يعارضه. والسببُ في هذا الخطأ ظنُّهم أن أول كتاب في الحديث النبوي"كتاب الموطأ"لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب"المغازي"لابن إسحاق، وهذان الإمامان الجليلان كانا معاصرين، وتُوُفِّيَ الأول 179هـ والثاني سنة 151هـ فاعتَبَروا العقود الأولى من القرن الثاني بدايةَ تدوين الأخبار والسير، والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن العزيز المتوفَّى سنة 101 عالمًا جليلًا، وَلِيَ إمارة المدينة ثم استُخلف سنة 99 وقد عَهِدَ إلى القاضي أبي بكر بن عمر بن حزم، الذي كان إمامًا في الحديث والخبر، أن يبدأ في تدوين سنن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخباره، لأنه خاف على العلم أن يُرفع شيئًا فشيئًا، وخاف دروس العلم وعَفَاءه، وقد ذُكر هذا في تعليقات البخاري والموطأ لمالك والمسنَد للدارمى، فقام بذلك أبو بكر بن حزم وكُتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس وأُرسلت إلى البلاد الإسلامية وكبريات المدن يومئذ ("مختصر جامع بيان العلم"للحافظ ابن عبد البر ص 138) فأبو بكر هذا الذي عَلِمتم مكانته من العلم والفضل،4 وكان قاضيًا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل لعلمه وفضله، ولأن خالته عَمرة كانت من كُبريات تلميذات أم المؤمنين عائشة، وكان ما روَته خالته عَمرة عن أم المؤمنين عائشة محفوظًا عنده، فأوعَز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصها بالذكر في كتابته إليه.