ولا يعرف كثير من المتعلمين ـ فضلًا عن العامة ـ أن الذي يكوِّن هذا العدد الضخم هو كثرة المتابَعات والشواهد التي عُنيَ بها المحدِّثون، فحديث"إنما الأعمال بالنيات"مثلًا يُروَى من سبعمائة طريق. فلو جرَّدنا مجاميع الحديث من هذه المتابَعات والشواهد لَبَقيَ عدد قليل من الأحاديث، فالجامع الصحيح للبخاري لا تزيد الأحاديث التي رُويَت بالسند الصحيح فيه على ألفين وستمائة وحديثين، وأحاديث مسلم يبلغ عددها أربعة آلاف حديث، وهكذا لا يبلغ عدد الأحاديث المروية في كتب الصحاح الستة ومسند أحمد وكتب أخرى خمسين ألف حديث، منها الصحيح، ومنها السقيم، ومنها المتَّفَق عليه، ومنها المتكلَّم فيه.
وقد صرح الحاكم أبو عبد الله ـ الذي يُعَدُّ من المتسامحين المتوسِّعين ـ أن الأحاديث التي في الدرجة الأولى لا تبلغ عشرة الآف (توجيه النظر ص93)
ويقول الأستاذ:
ولم ينتصف القرن الثاني حتى كانت حركة الجمع والتدوين أنشط وأقوى، وكان ممن سبق إليها من رجال هذا القرن ابنُ شهاب الزهري وابنُ جريح المكي وابنُ إسحاق، مَعمَر اليمني، سعيد بن أبي عَروبة المدني، ربيع بن صُبيح، سفيان الثورى، مالك بن أنس، الليث بن سعد، وابن المبارك، ثم تتابع الناس.