وأما بَدؤُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإمام العادل فلأن العدل من جوهر شريعة الله سبحانه وتعالى، إذ به يَرتفع الجَورُ والظلمُ من الأرض، وبه يَنتشر الأمن والطمأنينة بين الناس، يَأمنون على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؛ فلا قتلَ ولا اغتيالَ للأنفس ولا سَلْبَ ولا اختلاسَ ولا اغتصابَ للأموال ولا تَعدِّيَ ولا انتهاكَ للأعراض والحُرُمات، ويطمئنون على أرزاقهم في اليوم والغد والمستقبل، جادِّين في السعي لتحصيلها مما أحلَّه الله لهم في أرضه الواسعة وكَفَلَه لعباده؛ من النعيم في الدنيا إن هم أقاموا ما أمرَهم الله وانتَهَوا عما نهاهم عنه سبحانه، وكل لك لا يتحقق ولا يتم إلا بإقامة العدل في الأرض، ولا يتأتَّى هذا إلا أن يقوم به رجل موفَّق يرجو الآخرة ويرجو رحمة ربه، ويعمل على الخير على تحقيق الخلافة في أرض الله بإقامة شرائعه، ذلكم هو الإمام العادل الذي ائتَمَر بأمر ربه (إن اللهَ يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ...) والقائل: (...وأَقسِطوا إن اللهَ يحبُّ المُقسِطين) لذلك كانت له البشرى في الحديث بأن يكون في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، وبأن يكون مقدَّمًا في الذكر. وقد توالت عليه البُشرَيَات في الدنيا والآخرة (إن اللهَ يحبُّ المُقسِطين) والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"خيارُكم أئمتُكم الذين تُحبونهم ويُحبونهم، وشرارُكم أئمتُكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم وتَلعَنونهم ويَلعَنونكم". كما يقول صلى الله عليه وسلم:"أهلُ الجنة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسِطٌ موفَّقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لكل ذي قُربَى ومسلمٍ، وعفيفٌ متعفِّفٌ ذو عيالٍ".
وهذا وغيره كثير يُوجِبُ على أئمة المسلمين أن يُحقِّقوا العدل في الأرض ويَحكموا بين الناس بما أنزل الله.