وصاحب هذه الروضة الشريفة هو وحده الإمام، وكان الإمامَ لأنه الكائن الوحيد الذي اجتَبَاه اللهُ رسولًا خاتمًا للرسل ونبيًّا خاتمًا للأنبياء، وكلُّ ما أتَى به قرآنًا كان أو حديثًا قدسيًّا أو حديثًا نبويًّا شريفًا إنما هو مقدَّسٌ؛ لأنه ما يَنطق عن الهَوَى، ولأنه يدعو إلى الله على بصيرة، ولأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن اتَّبَعَه فقد أحبه الله (قل إن كنتم تُحبُّون اللهَ فاتَّبِعُوني يُحبِبْكُمُ اللهُ) كان سلفنا الصالح يَنزِعون هذه النزعة، نزعة الخضوع المطلَق لما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقد كانوا يسجدون للنص، يسجدون له بجوارحهم وقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، لقد كانوا يُخضِعون عقولَهم للنص ويجعلونه القائدَ الحَكَمَ المُهَيمِنَ. وكانوا يعرفون أن إدخالَ شخصيتهم في النص إنما هو انحراف يَعظُمُ أو يَقلُّ بحسب مدى التدخل البشري في النص، وكانوا يعرفون أن الوحيَ جاء هاديًا للعقل قائدًا له في الأمور التي لا يَتأتَّى للعقل أن يَلِجَ ميادينَها، أو يَقتحمَ حِمَاها، أو يُدلِيَ فيها برأي يَتفقُ عليه الناس. وهذه الميادين هي الدين، وما دام الدين ليس رأيًا بشريًّا ـ لأنه تنزيل من حكيم حميد ـ فإن كل موقف من الشخصية البشرية تِجاهَ النص الإلهيِّ إنما هو موقف لتبديل الدين من أن يكون إلهيًّا إلى أن يكون بشريًّا. ولو كان يستقيم الأمر على ذلك ـ أي على التبديل ـ لَمَا كان هناك من حاجة إلى الدين. يَروي أبو داود والدارقطني عن سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخُفِّ أولَى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يمسح على ظاهر خُفَّيه.
إن الدين ليس رأيًا وليس بالرأي، وانظر إلى الحديث التالي، إنه معبِّر أقوى ما يكون التعبير، ودقيق في مغزاه دقة بالغة: