فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 1350

إن الصحابيَّ الجليلَ البراءَ بن عازب، رضي الله عنه، أبدَلَ كلمة بكلمة نسيانًا منه، لقد قال: (رسولك) بدل أن يقول: (نبيك) وكلمة"رسول"تتضمن معنى"النبوة"فهي إذن فيها المعنى وزيادة، وبحسب منطقنا وبحسب عقلنا تكون صالحة، ولكنها في منطق الحق لم تكن صالحة، إننا لا نرى بعقلنا ومنطقنا إلا الشكلَ والظاهرَ، أما بواطن الأمور وأسرارُ الكلمات وحكمةُ الأوضاع المحددة واكتِناهُ خفايا التقديرات الإلهية ـ كل ذلك إذا لم يَكشِفْ اللهُ عنه أو عن بعضه فإننا لا نصل إليه بمنطق البشر (إنَّا كلَّ شيءٍ خلَقناه بقَدَرٍ) بمقدار محدَّد وتقدير معيَّن. واكتناهُ سرِّ هذا القَدَرِ أو هذا التقديرِ اكتناهًا تامًّا لا يصل إليه الإنسان، بل لا تصل إليه الملائكة (وعلَّم آدَمَ الأسماءَ كلَّها ثم عرَضَهم على الملائكةِ فقال أنبِئوني بأسماءِ هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتَنا إنك أنت العليمُ الحكيمُ) إن العلم الصحيح الصادق في عالم الهداية الإلهية والتربية الربانية إنما هو من الله سبحانه، وكل ابتعاد عنه أو خروج عليه أو تغيير فيه إنما هو ضلال.

وما من شك في أن الإنسان منذ أن وُجد على ظهر الأرض يحاول أن يَنزِعَ نزعة بشرية بحتة، ويَتصرفَ في الوحي الإلهيِّ نقصًا وزيادةً وبَترًا وإضافةً وتغييرًا وتبديلًا، يحاول أن يقيم كل ذلك على قواعدَ يَزعُمها صحيحةً، فيقول مثلًا: إن الحكمة في تحريم شرب الخمر إنما هي المفاسدُ التي تَنشأ من الشخص الشارب، فإذا ما انتَفَت تلك المفاسد فلا مانعَ من شرب الخمر. ويقول: إن التكاليف الدينية إنما جاءت لإصلاح الضمير، فإذا كان الضمير صالحًا فلا لزومَ للتكاليف الدينية. ويقول: إن أعمال العبادة إنما هدفها التقرب إلى الله، فإذا حصل القرب فلا حاجةَ إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت