فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1350

وهكذا يَخرجُ الإنسان بأهوائه ـ ولا نقول: بعقله. لأن كل ذلك أهواءٌ يصوِّرُها الشيطان كأنها منطقٌ معقولٌ ـ عن الدين كما خرَج إبليس قديمًا بأهوائه، التي تَمَثَّلَت لذهنِه منطقًا، عن الدين.

والإمام الغزالي، رضي الله عنه، يمثل لنا ذلك بمثال معبِّر، فيذكر قصة رجل بَنَى له أبوه قصرًا على رأس جبل، ووضَع فيه شجرًا من حشيش طيب الرائحة، وأكَّد الوصية على ولده مرةً بعد أخرى ألاّ يُخلِيَ هذا القصرَ من هذا الحشيش طول عمره، وقال: إياك أن تَسكُنَ هذا القصرَ ساعة من ليل أو نهار إلا وهذا الحشيشُ فيه. فزرَع الولد حول القصر أنواعًا من الرياحين، وطلَب من البر والبحر أوتادًا من العود والعنبر والمسك، وجمَع في قصره جميعَ ذلك من شجرات كثيرة من الرياحين الطيبة الرائحة، فانغمرت رائحة الحشيش لمّا فاحت هذه الروائح، فقال: لا شك أن والدي ما أوصاني بحفظ هذا الحشيش إلا لطيب رائحته، والآن قد استَغنَينا بهذه الرياحين عن رائحته فلا فائدة فيه الآن إلا أن يُضيِّقَ عليَّ المكان. فرماه من القصر، فلما خلا القصر من الحشيش ظهَر من بعض ثقوب القصر حيةٌ هائلةٌ، وضربته ضربة أشرف بها على الهلاك، فتَنَبَّهَ حيث لم يَنفَعْهُ التَّنبُّهُ أن الحشيشَ كان من خاصيته دفعُ هذه الحية المهلِكة، وكان لأبيه بالوصية بالحشيش غرضان:

أحدهما انتفاع الولد برائحته، وذلك قد أدركه الولد بعقله.

والثاني اندفاع الحيات المُهلِكات برائحته. وذلك ما قَصَرَت عن إدراكه بصيرةُ الولد، فاغتَرَّ الولد بما عنده من العلم وظنَّ أنه لا سرَّ وراء معلومه ومعقوله، كما قال تعالى: (ذلك مَبلَغُهُم من العلم) وقال: (فلما جاءتهم رسلُهم بالبيناتِ فَرِحُوا بما عندَهم من العلم) والمغرور من اغتَرَّ بعقله فظنَّ أن ما هو مُنتَفٍ عن علمه فهو مُنتَفٍ في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت