فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 1350

وما من شك ـ كما يَروي كتاب إحصاء العلوم ـ في أن آراء المِلَلِ وكلَّ ما فيها من الأوضاع ليس سبيلَها أن يُمتَحنَ بالآراء والرَّوِيَّة والعقول الإنسية؛ لأنها أرفع رتبة منها، إذ كانت مأخوذةً من وحيٍ إلهيٍّ، لأن فيها أسرارًا إلهيةً تضعُفُ عن إدراكها العقولُ الإنسيةُ ولا تبلغها، وأيضًا فإن الإنسانَ سبيلُه أن تُفيدَه المِلَلُ بالوحي مما لا يُدرِكُه بعقله وما يَخُورُ عقله عنه، وإلا فلا معنَى للوحي ولا فائدةَ إذا كان إنما يُفيدُ الإنسانَ ما يَعلَمُه وما يمكن إذا تأمَّلَه أن يُدرِكَه بعقله، ولو كان كذلك لَوُكِلَ الناسُ إلى عقولهم، ولَمَا كانت بهم حاجةٌ إلى نبوة ولا إلى وحي، لكن لم يُفعَلْ بهم ذلك، فلذلك ينبغي أن يكون ما تُفيدُه المللُ من العلوم ما ليس في طاقةِ عقولِنا إدراكُه، ثم ليس هذا فقط بل ما تَستنكرُه عقولُنا أيضًا؛ وذلك أن التي يأتي بها المَلَكُ ـ مما تَستنكرُه العقولُ وتَستَبشعُه الأوهامُ ـ ليست هي بالحقيقة منكَرةً ولا مُحَالةً، بل هي صحيحة في العقول الإلهية، فإن الإنسان وإن بلَغ نهايةَ الكمال في الإنسانية فإن منزلتَه عند ذَوِي العقول الإلهية منزلةُ الصبيِّ والحَدَثِ والغَمْرِ عند الإنسان الكامل، وكما أن كثيرًا من الصبيان والأغمار يَستنكرون بعقولهم أشياءَ كثيرةً مما ليست في الحقيقة منكَرةً ولا غيرَ ممكنةٍ، ويَقعُ لهؤلاء أنها غيرُ ممكنةٍ، فكذلك منزلة مَن هو في نهاية كمال العقل الإنسيِّ عند العقول الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت