وكما أن الإنسانَ من قبلِ أن يَتأدَّبَ ويَتحنَّكَ يَستَنكرُ أشياءَ كثيرةً ويَستَبشعُها ويُخيَّلُ إليه فيها أنها مُحَالةٌ، فإذا تأدَّب بالعلوم واحتَنَك بالتجارب زالت عنه تلك الظنون فيها وانقلَبَت الأشياء التي كانت عنده مُحَالةً فصارت هي الواجبة، وصار ما كان يَتعجَّبُ منه قديمًا في حدٍّ ما يَتعجَّبُ من ضده ـ كذلك الإنسان الكامل الإنسانية، لا يَمتَنعُ من أن يَستَنكرَ أشياءَ ويُخيَّلُ إليه أنها غيرُ ممكنةٍ، من غير أن تكون في المحافظة كذلك.
ويشرح الشيخ الجليل أبو سليمان المنطقي كل ذلك في دقة دقيقة وفى أسلوب جميل، فيقول:
إن الشريعة مأخوذة عن الله، عز وجل، بوساطة السفير بينه وبين الخلق عن طريقِ الوحي وبابِ المناجاة وشهادةِ الآيات وظهورِ المعجِزات وفى أثنائها ما لا سبيلَ إلى البحث عنه والغوص فيه، ولابد من التسليم المدعوِّ إليه والمنبَّهِ عليه، وهناك يسقط (لم) ويبطُل (كيف) ويزول (هلاّ) وتذهب (لو) و (ليت) في الريح، ولو كان العقل يَكتفي به لم يكن للوحي فائدةٌ ولا غَنَاءٌ. على أن منازلَ الناس متفاوتةٌ في العقل وأنصباءَهم مختلفةٌ فيه، فلو كنا نَستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا نصنع؟ وليس العقل بأَسْرِه لواحدٍ منا فإنما هو لجميع الناس. ولو استَقَلَّ إنسان واحد بعقله في جميع حالاته، في دينه ودنياه، لاستَقَلَّ أيضا بقوته في جميع حاجاته، في دينه ودنياه، ولكان وحدَه يَفي جميعَ الصناعات والمعارف، وكان لا يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه، وهذا قول مرذول ورأي مخذول اهـ.