يقول هذا الشيخ الجليل: إن منازلَ الناس متفاوتة في العقل وأنصباءَهم مختلفة فيه. ومعنى ذلك أن هذا الذي يَروقُ لشخص عقليًّا ربما لا يَروقُ لغيره عقليًّا، ويحب من أجل ذلك ألاَّ يَتدخَّلَ العقل في الدين وإلاّ لاختَلَف الناس فيه اختلافَ عقولهم، وادَّعَى كلٌّ أن ما عليه إنما هو الحقٌّ وما عليه غيرُه هو الباطلُ، ونتَج عن ذلك اتِّباعُ كلٍّ أهواءَه (أرأيتَ من اتَّخَذَ إلهَه هَواه) فتَتَفرَّقُ الأمةُ وتَخرُجُ على ما أحَبَّه اللهُ وأمَر به (واعتَصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرَّقُوا) .
وإذا تَساءلتَ الآن: ما هو إذن موقف العقل من الدين وموقف الدين من العقل؟
فإننا نُجمِلُ الموضوع في النقط الآتية؛ أُنزِلَ الدينُ هاديًا للعقل في جميع الأمور التي لو تُرِكَ العقلُ وشأنَه فيها ضَلَّ السبيلَ وعجَز عن الوصول إلى الحقيقة، وهذا الأمور هي:
(أ) عقائد في فيما وراء الطبيعة.
(ب) المبادئ الأخلاقية إجمالًا وتفصيلًا.
(ج) التشريع في قواعده العامة وفى بعض تفصيلاته. وقواعدُه العامةُ تَتضمن الجزئياتِ على مر الزمن وعلى اختلاف البيئات.
أما الطبيعة والكون؛ من سمائه وأرضه، ومن جباله وبحاره، ومن كواكبه وأقماره وشموسه... أما المادة والطاقة، أما أعماق البحار وآفاق السماء ـ فإن كل ذلك قد ترَكه للإنسان يَدرُسُه في مصنعه ومعمله بآلاته وأدواته، وحَثَّه على أن يَجولَ في ذلك ما استطاع إليه سبيلًا حتى يَكتَشفَ سُننَ الله الكونية ونَواميسَه الطبيعية، ويَرَى صُنعَ الله الذي أتقَنَ كل شيء. ولم يَحجُرْ الدينُ على الإنسان في هذا المجال، اللهم إلا الواجبَ الذي يَنبغي أن يكون شعارَه دائمًا، وهو أن يكون هَدَفَه من كلِّ ذلك الخيرُ.