فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 1350

وكان أمينًا على الأسرار: فلم يُفْشها، ولم يُذعها، إنه الأمين… أجمع عليها القرشيونَ، وقالوا حينما اختلفوا في رفع الحجر الأسود واستلُّوا السيوف، وأوشكت الحرب أن تقع بينهم، ثم استقرَّ رأيهم على الاحتكام لأول آتٍ، فغَمرتهم الفرْحة حينما رأوا محمدًا وصاحوا:"إنَّه الأمين".

والأمين: تعني الصادق المخلص، فالصدق والإخلاص: عنصرانِ تتكون منهما الأمانة وكانت هذه الأمانة معروفة عنه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ في شبابه وفي حياته كلها، وهو القائل فيما بعد: لا أمانَ لمَن لا أمانةَ له.

وعند بدْء"دعْوته جهرًا"حينما نزل قوله ـ تعالى ـ (وأَنْذِرْ عَشِيرتَكَ الأَقْرَبِينَ) . صعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الصفا فقال: يا معشر قريش: فقالت قريش: محمد على الصفا يَهتف: فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: مالك يا محمد؟ قال: أرأيتَكم لو أخبرتُكم، أن خيلًا بسَفْح الجبل، أكنتم تُصدقونني؟ قالوا: نعم، أنت عندنا غير متهمٍ، وما جرَّبنا عليك كذبًا قط.

قال: فإني نذيرٌ لكم بين يَدَي عذابٍ شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مَناف، يا بني زهرة… حتى عدَّد الأفْخاذ من قريش ـ إن الله أمرني أن أُنْذِرَ عشيرتي الأقربين وأني لا أملك لكم مِن الدنيا مَنفعة ولا مِن الآخرة نصيبًا إلاَّ أنْ تقولوا:"لا اله إلا الله".

وإذا كان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قد طرَح الثقة بنفسه على قريش برفْعه علَم الأمانة هذا في وُجوههم، فإنه كان مُطمئنًا واثقًا مِن حياته هي مِن الصفاء بحيث لم يَشُبْها ما يجعل رأْي قريش قبيحًا.

لقد كانت حياته: البراءة الكاملة، والطُّهْر التام. وهذا ما دعاه إلى أن يتحدَّى في صراحة، وأن يُعلن في وُضوح أن حياته تُثبت صدْق ما يقول:

ولو تمثَّلتِ الأمانة ـ الصدْق والإخلاص ـ في كل مَن يُحيطون به مِن المَكيِّينَ لما كان في حاجة إلى رفْع علْمه هذا، فقد كان يكفي الإخبار، بأنه رسول فتكون الاستجابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت