فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1350

ولقد آمَن بمُجرد هذا الإخبار كثيرون لمَا توفَّر فيهم مِن الصدْق والإخلاص لأنفسهم والآخرين: أيْ لمَا توفر فيهم من الأمانة. لقد آمَنَتْ خديجة، وآمنَ أبو بكر، وآمَن وَرَقَة، وغيرهم، بمجرد أن أخبرهم بأمره، آمنوا لمَا يَعرفون فيه، ولمَا يَعلمونه مِن حياته.

ولقد أقرَّ بهذه الصفة ـ صفة الأمانة ـ أبو سفيان في وقت كان فيه مِن أشد أعداء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأله هرقل قائلًا: هل كنتم تتَّهِمُونه بالكذِب قبل أن يَقول ما قال: فقال أبو سفيان: لا. وكان استنتاج هرقل. أعرِفُ أنه لم يكن ليَذَرَ الكذِبَ على الناس، ويكذب على الله. سأل هرقل أبا سفيان ـ أيضًا ـ عمَّا إذا كان قد أُثِرَ عن محمد غدْرٌ؟ فأجاب أبو سفيان بالنفي. فقال له هرقل: سألتُك: هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرُّسل لا تَغدر.

وحديث هرقل هذا مع أبي سفيان الذي رواه البخاري وروتْه كتب الحديث، وكتب السيرة: جدير بالتأمُّل. فهو استنتاج عاقل، ومنطق مَرْوِيّ، ونأخذ منه الآن ما يتصل بحياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وندَعُ ما يتصل بالرسالة لمَا بعد: يقول هرقل لأبي سفيان:

سألتك عن نسَبه، فذكرتَ: أنه فيكم ذو نسَبٍ، فكذلك الرسل تُبعث في نسَب قوْمها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرتَ: أن لا.

فقلت: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله، لقلتُ: رجلٌ يتأسَّى بقولٍ قيل قبله.

وسألتك: هل كان مِن آبائه مَن ملك؟ فذكرت: أن لا. قلت: فلو كان مِن آبائه من ملك، لقلت: رجل يطلب مُلك أبيه.. ا.هـ. وإذا نظرنا إلى حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ناحية الوراثة أو مِن الناحية النفسية.. فإننا نجد: أنها تُحقِّق صِدْقه.

لقد كانت حياته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ شرحًا مُستفيضًا كاملًا وتعبيرًا تامًّا لمَا ذكره ابن خلدون، وما يتفق عليه العقلاء ويجمع عليه أصحاب البصائر المُستنيرة: مِن أن علامات الأنبياء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت