فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1350

"أنه يُوجد لهم قبل الوحْي: خُلق الخير والزكاة، ومُجانبة المذمومات والرجْس أجمع، وهذا هو معنى العِصْمة، وكأنه مفطور على التَّنْزُّهِ عن المَذمومات المُنافرة لها، كأنها مُنافرة لجِبِلَّتِهِ. ويضرب ابن خلدون بعض الأمثلة مِن حياة الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مُبيِّنة لهذه القاعدة فيقول:"وفي الصحيح أنه حمَل الحجارة وهو غلام، مع عمِّه العباس لبناء الكعبة فجَعلها في إزاره، فانكشف، فسقَط مَغْشِيًّا عليه حتى استتر بإزاره. ودُعي إلى مجتمع وليمةٍ فيها عُرس ولعب، فأصابه غشي النوم إلى أن طلعتِ الشمس، ولم يحضر شيئًا من شأنهم.

بل لقد نزَّهه الله عن ذلك كله، حتى أنه بجِبلته يتنزَّه عن المَطعومات المستكرهة، فقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يَقرَب البصل والثوم، فقيل له في ذلك، فقال:"إنني أُنَاجي مَن لا تُناجُونَ"ا.هـ.

ومِن المُلاحظات الدقيقة: التي وجَّه ابن خلدون الأذهان إليها مُشيرًا بها إلى أن الملابسات والظروف والجو الذي عاش فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحياته قبل البعثة وبعدها إنما كان كل ذلك خيرًا وفضيلة، سواء مِن ناحية سلوكه الشخصي، أو مِن ناحية صِلته بمَلك أو وحْي يقول ابن خلدون: وانظر لمَّا أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خديجة ـ رضي الله عنها ـ بحال الوحْي أول ما فاجأته، وأرادتِ اختبارَهُ فقالت:"اجعلني بينك وبين ثوْبك، فلمَّا فعَل ذلك ذهَب عنه"، فقالت:"إنه مَلَكٌ وليس بشيطان".

ومعناه أنه لا يَقرب النساء، وكذلك سألتْه عن أحبِّ الثياب إليه، أن يأتيه فيها. فقال: البَياض والخُضرة. فقالت: إنه مَلك.

يعني: إن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة، والسواد ألْوان الشرِّ والشياطينِ وأمثال ذلك ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت