هذا النهْج الذي نهَجناه في هذا البحث، والذي اتَّجه إليه ابن خلدون، واتجه إليه من قبله هرقل، هو نهج الفطرة، ونهج العقل وهو النهج القرآني: إنه نهج الفِطْرة، ولذلك قالت السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ على البداهة للرسول ـ حينما فاجأَها بخبر الوحْي وقال لها:"لقد خَشيت على نفسي". قالت له:"كلَّا… واللهِ لا يُخزيكَ اللهُ أبدًا: إنَّكَ لتصلُ الرحِم، وتَحْمِلَّ الكلَّ، وتُكسب المُعدَم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق".
ونحن إذن حينما ننهج هذا النهج. فإنما نتأسَّى بالقرآن الذي بيَّن أن حياته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ تقف دليلًا واضحًا على أنه: صادق في كل ما يقول: فهو على خُلق عظيم. (وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ) .
ويقول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ"إنَّمَا بُعثتُ لأُتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ". وهذا الجانب الخُلقي فيه: يَعرفه قومه، ومُواطنوه. حق المعرفة، فقد كانوا يعرفون محمدًا، كما يعرفون أبناءهم وإخوتهم، لا تَخفى عليهم مِن سلوكه خفيَّة.
(الذينَ آتيناهمُ الكِتابَ يَعرفونَهُ كَمَا يَعرفونَ أبْنَاءَهمْ وإنَّ فريقًا مِنْهمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَّ وهمْ يَعْلَمُونَ) . ويُوجه القرآن تفكيرنا: إلى أنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان أميًّا، فما كان يتلو مِن قبله مِن كتاب ولا يَخُطُّهُ بيَمينه؛ إذَنْ لارتابَ المُبْطِلُونَ.
(وما كُنتَ تَتلو مِن قبِلهِ مِن كتابٍ ولا تَخُطُّهُ بيَمِينِكَ إذًا لارْتَابَ المُبطلونَ) . ثم إن ممَّا يَلفت النظر في قوةٍ: أنه مَكَث فيهم أربعينَ سنةً، لا يتحدث عن رسالةٍ ولا نُبوة ومضى عهد الشباب الطَّمُوح لم يُعلن فيه شيئًا، ولم يتحدث فيه بزَعامة ولا مُلك ولا نُبوة، فلمَّا اكتملَ نُضْجًا، وعقلًا، تحدث عن اجتباء الله له، واختياره لأداء الرسالة.