وإن الشجاعة الأدبية المؤمنة لا تتمثل حقيقةً إلا إذا كانت هناك معارضة قوية، وكلما زادت المُعارضة، وكلَّما قَوِيتْ حتى تُصبح تَهديدًا مُنذِرًا ووعيدًا مُهدِّدًا، كانت الشجاعة الأدبية عند المؤمن بالحق، والمؤمن بالصواب مثلًا أعلى، ورجولةً كاملة، وهذه الحادثة التي رَويناها، لا تُمثل ظاهرة عابِرة في حياة الرسول ـ صلوات الله عليه ـ وإنما تُمثل شعارًا دائمًا.
قال عُتبة بن ربيعة يومًا، وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالسٌ في المسجد وحده:"يا معشر قريش"ألا أقوم إلى محمدٍ فأُكلمه، وأعْرِض عليه أُمورًا لعلَّه يَقبل بعضها فنُعطيه أيها شاء؟
وذلك: حين أسلمَ حمزة ورأوا أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزيدون ويَكثُرون فقالوا: بلَى يا أبا الوليد، قُم إليه فكلِّمْه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا ابن أخي، إنك مِنَّا حيث قد علمتَ: مِن البسطة في العشيرة والكمال في النسَب، وإنك قد أتيتَ قومك بأمر عظيم، فرَّقتَ به جماعتَهم، وسفَّهتَ به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتَهم، وكفَّرتَ مَن مضى مِن آبائهم، فاسمع مني أعرِض عليك أمورًا.. تنظر فيها لعلَّك تقبل مني بعضها. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"قُلْ يا أبا الوليد أَسمعْ."قال: يا ابن أخي إن كنتَ إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك مِن أموالنا، حتى تكون أكثرَنا مالًا، وإن كنت تريد به شرَفًا سَوَّدْنَاكَ علينا حتى لا نقطع أمرًا دُونك، وإن كنت تُريد به مُلكًا مَلَّكْنَاكَ علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئْيًا تراه، لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطبَّ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نُبرئك منه، فإنه ربما غلَب التابع على الرجل حتى يُداوَى منه.