عليَّ أصبرْ لأمر الله حتى يَحكم بيْني وبيْنكم.
وصورة مِن صور الإيمان حقَّقها الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وكم حقَّق الصحابة مِن صورٍ إيمانية.
لقد خرج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الجيش ليَعترض طريق قافلةِ قريش ردًّا على ما أخذوه مِن أموال المسلمين ظُلمًا واغتصابًا فأتاهُ الخبر عن قريش بمَسيرتهم ليَمنعوا قافلتهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقالَ وأحسنَ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المِقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضِ لمَا أراك اللهُ، فنحن معك، واللهِ لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، اذهبْ أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثَكَ بالحق لو سِرْتَ بنا إلى الغِماد لجالَدْنا معكَ مِن دونه حتى تَبلغه، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيرًا ودعَا له، ولم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سمع قول الأنصار، ولم يكن أحدٌ منهم قد تكلم فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أشِيروا علي أيها الناس.
وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا بَرَاءٌ مِن زِمامِكَ حتى تَصِلَ إلى دُورنا، فإذا وَصَلْتَ إلينا فأنت في ذِمَّتِنَا نمنعك ممَّا نمنع منه آباءنا ونِساءنا، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَخاف ألاَّ تكون الأنصار ترى عليها نُصرة إلا ممَّن دَهَمه بالمدينة مِن عدوِّه، وأن ليس عليهم أنْ يسير بهم إلى عدو خارج بلادهم، فلمَّا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام سعد بن معاذ، وتُذكر كلمته بأكملها؛ لأنها مِن الدَّساتير الرائعة الواجبة التحقيق في الصلة بين الجيش المُخلص وقائده المؤمن.