وقد قرر الإمام أبو حنيفة أن ركن الخطبة هو مُطْلَق الذِّكر الشامل للقليل والكثير، فيكفي لتحقق الخطبة المفروضة عندهم تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وإنْ كان يُكرَه تعمُّد الاقتصارعلى ذلك لعدم تحقُّق سُنَن الخطبة، وهي حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والشهادتان والصلاة على النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والعَظَة بالزَّجر عن المعاصي والتخويف والتحذير مما يُسبِّب مَقْتَ الله وعِقَابه، والتذكير بما به النجاة في الدنيا والآخرة، وقراءة آية من القرآن الكريم، وتَكْرَار الخُطْبَة واستكمال الخُطْبَة الثانية على حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات والاستغفار لهم.. الخ، فإن كان القَدْر الذي افتتح به الخطيب خطبته قبل أن يحدث ما حدث مشتملًا على مُطْلَق ذكر الله تعالى ـ والمفهوم أنه كذلك ـ فإن صلاة الجمعة صحيحة على رأي الحنفاء.
وأمَّا الشافعية فقد اشترطوا لصحَّة خُطْبَة الجمعة أن لا ينصرف عنها الخطيب بصارفٍ فإذا انصرف عنها ولم يُعِدَّهَا قبل الصلاة فَقَدْ فَسَدَت الخطبة، وإذا فَسَدَت الخُطْبَة فقد فسدت الصلاة؛ لأن صحة الخطبة شرط من شروط صِحَّةِ صلاة الجمعة.
هذا، وما دامَتْ صَلَاة جُمْعَتِكُم هذه قد صحَّتْ على مذهبٍ من المَذَاهِبِ الإسلامية فقد انتهى الأمر، غير أنَّنَا نَهِيبُ بالمسلمين سواء مَنْ يَقصِدون للإمامة أو مَنْ يحضرون الجماعة أن يتأسَّوْا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته وأن يتخلَّقُوا بأخلاق القرآن الكريم ولا يُثيروا بينهم الخلافات حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين كلُّه لله، وليكن المسلمون صفًّا واحدًا خَلْفَ أئمتهم وليستمعوا إلى قول الله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .