وهذا العلم التجريبي هو ـ دون جدال ـ الأساس الذي قامت عليه الحضارة الأوربية. والأكثرية العُظمَى من مؤرخي الحضارة الأوربية يَعْزُون هذا المنهج على الخصوص إلى روجر بيكون، وفرنسيس بيكون، ولكن عالمًا من علماء الغرب الممتازين بعد أن درس دراسة عميقة وبحَث بحثًا مستفيضًا، انتهى به الأمر إلى تقرير حقائق كان يجب على الشرقيين أن يعرفوها من زمن بعيد، هذا العالِم هو الأستاذ بريفولت، إنه يقول في كتابه الذي ألفه تحت عنوان"بناء الإنسانية": إن روجر بيكون درَس اللغة العربية والعلم العربي والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خُلَفاء مُعَلِّميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لِسَمِيِّه الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولًا من رسُل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يَمَلَّ قط من التصريح بأن تعلُّم مُعاصريه اللغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقَّة.
والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هي طرَف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوربية، وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارًا واسعًا وانكبَّ الناس في لهَف على تحصيله في رُبوع أوربا. (من كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود ص 149) .
ويستفيض الأستاذ"بريفولت"في تصوير ما كان عليه العرب من العبقرية في العلم والحضارة ونجد طرَفًا من ذلك في الكتاب الذي ألفه الدكتور محمد إقبال تحت عنوان:"تجديد الفكر في الإسلام".
ويقول الدكتور إقبال ما نصه:"ومن أين استقى روجر بيكون ما حصَّله في العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس. والقسم الخاص من كتابه الذي خصَّصه للبحث في البصَرِيَّات هو في حقيقة الأمر نُسخة من كتاب المناظر لابن الهيثم. وكتاب بيكون في جُملته، شاهد ناطق على تأثُّره بابن حزم".