هذه الحقائق التي قدَّمْناها عن حضارة العرب: منهجًا وعلمًا، أصبحت من الذيوع والشهرة لدى المُنصِفين، بحيث لا نحتاج إلى التوسُّع في الاستدلال عليها.
ويتبَيَّن لنا مما سبق أن الإسلام:
1ـ يَحُثُّ على العلم، ويُشَجِّعه، ويدعو إليه، ويأمر بالاستزادة منه.
2ـ وأن رُوح الإسلام هذه أنتجت حضارة مُزْدَهِرة عمَّت جميع أقطار الحضارة وجوانبها ماديةً كانت تلك الجوانب أو عقلية، أو روحية.
إذا كان موقف الإسلام من العلم، هو ما بيَّنَّا، فما هو موقف العلم من الإسلام؟
إن موقف العلم من الإسلام ـ باعتبار الإسلام مثلًا صحيًّا للدين ـ إنما هو في حقيقة الأمر تصوير لموقف العلم من الدين الحقيقي.
وهذا الجانب من البحث هو من الوُضوح بحيث ما كان ينبغي أن يكون فيه جدال ولا مناقشة، ذلك أن العلم ومُمَثِّليه الحقيقيين، يعترفون في صراحة لا لَبْس فيها، وفي وُضوح لا خفاء فيه بأن دائرة أبحاثهم إنما هي المادة، إنما هي الحِسُّ، وأنهم يعتمدون في ذلك على التجربة وعلى المُلاحظة.
إنهم يعتمدون على الاستقراء على وجه العموم، وليس الاستقراء إلا تتبُّع جزئيات مُحَسَّة تتبعها بالمُلاحَظة أو بإجراء التجارِب عليها.
والمنهج العلمي إذن، إنما هو منهج لمعرفة كيفيات المادة، وإذا ما خرج الأمر عن دائرة المادة فقد خرج عن دائرة العلم.
وعلى هذا الأساس، فليس للعلم مُطلقًا دخل في أمور الدين: إثباتًا وإقرارًا، أو نفيًا وإنكارًا، وإذا ما قال قائل: إن العلم يُثبت كذا من الأمور الروحية، فإنه يَكْفِينا منه هذه الكلمات لنسحب ثقتنا به كعالِم، وإذا ما قال: إن العلم يُنكر كذا من الأمور الروحية فإن هذه الكلمة تكفي ـ أيضًاـ لسحب ثقتنا به كعالم، إذ إن العلم في المجال الروحي لا يُثبت ولا ينفي، وهذا واضح مما سبق أن ذكرناه.