فهرس الكتاب

الصفحة 1232 من 1350

ثم إن أفلاطون حدَّد المِلْكية، فلم يسمح للرؤساء، وهم طبقة رجال الفكر أن يملكوا، ولم يُبِحْها كذلك ـ كما رأينا ـ للجند.. وإنما أباحَها للرجال من طبقة الإنتاج، وبشرط أن يكون هناك حد أقصى للملكية، لا يتجاوز ـ أربعة أمثال المتوسط، يعني مثلًا: إذا كان متوسط نصيب الفرد في مدينة ما، نصف فدان، فيجب ألا يملك شخص أكثر من فدانين، وفي جمهوريته: إذا وُلِد طفل مريض يُعدَم.

وإذا ولد طفل مُصاب بعاهة يُعدَم، وإذا وُلِد طفل مشكوك في ذكائه يُعْدَم.

وليس في جمهورية"أفلاطون"مكان للشعراء والأدباء، ولقد دُعِي"أفلاطون"نفسه مرة لتطبيق جمهوريته، فأخفق إخفاقًا كاملًا، ثم دُعِي مرة أخرى بعد سنوات فأخفق ـ أيضًاـ إخفاقًا كاملًا.

ومضت الإنسانية ـ في طريق التجربة والخطأ ـ تبحث عن تشريع يحكمها، ويُزيل خلافاتها ويُقِيل عثَراتها.. وكان من تجارِبِها المُثِيرة في هذا المجال مذهب المزدكية، الذي استفحل أمره لدرجة أن ملِك الفرس اتبعَه واعتنقَه وطبَّقه، وهو مذهب يبدأ مُنْطَلَقُه الفكري من سؤال مطروح هو: ما الذي أقلق الإنسانية وأرَّقها وأتعبَها منذ فجر التاريخ؟ وأجاب المذهب المذكور قائلًا:"المال والنساء"، ولكي نُزيل قلق الإنسانية فلابد أن تكون هناك شيوعية كاملة في المال والنساء.

وصادَف ذلك هوَى لدى مَلِك الفرس، فاتَّبع المذهب، وذهب مزدك وأتباعه إلى القصر وأحبوا الاتصال بنساء المَلِك وبناته.

وأخذ وَلِيُّ العهد يتضرَّع إلى مزدك ويرجوه، في أن يترُك والدتَه وإخوتَه حتى لقد قبَّل قدميه، وهو يتضرَّع إليه فترك مزدك أُمَّه وإخوته، ثم آلَ المُلْك إلى وَلِيِّ العهد فأتى بمزدك وقتله، واندثرت تجربة إنسانية أخرى، تبحث عما تعتقد أنه عدل، وحق.

واستمرت الإنسانية في بحثها القَلِق، الذي تدفع ثمنه دائمًا من أخطائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت