فهرس الكتاب

الصفحة 1309 من 1350

وأخَذ الضمير مِن جانبه أيضًا يُوحي بإيحاءات مُختلفة، فالضمير ليس إلا أثرًا للبيئة وللوسَط الذي يعيش فيه، ليس الضمير مَعصومًا قط، وإنها لَفِكرةٌ خُرافية كوْنُ الضمير مَعصومًا، والضمير إذْ تخلَّص مِن سيطرة الدين، فإنه يُوحي بالفساد، كما يُوحي بالصلاح؛ لأنه ابن البيئة، فإذا كانت البيئة إجراميةً فالضمير إجرامي، وإذا كانت البيئة صالحةً فالضمير صالح، وإذا كانت البيئة أوربية فالضمير أوربي، وإذا كانت البيئة شرقية فالضمير شرقيٌّ، ومِن الواضح أن ضمير الأوربيين لا يُؤنِّبُهم أبدًا على السَّفْكِ، الذي يَستبيحونه في كل قُطر يسيطرون عليه، إنه يُبيح إذنْ ـ لو اتخذنا مِقياسًا ـ السفْكَ والتنكيل والاستعمار. ليس هناك إذن شيء ثابت مُستقِرٌّ مَعصوم اسمه الضمير.

وليس هناك قضايَا يَتَّفِقُ عليها العقل فيما وراء الطبيعة.

وتخبَّط العقل.. وتخبَّط الضمير. فما المَخرج إذنْ؟

أُسطورة التطوُّر الإنساني:

رأى رجال الحضارة أن يَلجؤوا إلى شيء يُبعِد عنهم وصْمَةَ العجْز، فلَجَؤوا إلى فكرة التطوُّر، الإنسان المُتطوِّر، الأفكار المُتطورة، وإذن فالمسألة ليست مسألةَ خطأٍ صريح، وإنما هي مسألة تطوُّر فيما يتعلق بالأفكار، وفيما يتعلق بالمَعاني، وما دام هناك قانون التطور إذنْ لا عيب عليهم إذا أخطؤوا أو تخبَّطوا في كل مرحلة مِن مَراحلهم، وفي كل فترة مِن فتراتهم. ونادَى الحَضاريُّون البشريُّون بفَصْل الدِّينِ عن الدولة، وحينما فُصِلَ الدين عن الدولة، رأت الدولة نفسها تتخبَّط، حينما تستند إلى العقل في نُظمها الدينية والاجتماعية، وحينما تستند إلى الضمير في نُظمها الأخلاقية، فاخترعت أسطورة التطور الإنساني فيما يتعلق بالفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت