وكانت كلمة التطور هي الطلسم السحْرِيّ، الذي يُحاولون التعلُّل به، لإخفاءِ عجْز العقل والضمير الإنساني لإخفاء هذا العجز المُطلق الذي يجعل الإنسان مُتخبِّطًا بعَقله في أمور ما وراء الطبيعة، ومُتخبِّطًا بضميره في أمور الأخلاق. لقد أخْفَوْا كل ذلك بفِكرة التطور.
ليس في الأحكام القاطعة تطوُّرٌ:
ولكن إذا نظرنا إلى فكرة التطور في الدين والأخلاق فما معناها حقيقةً؟ ما معنى فكرة التطوُّر، إذا أدخلناها في الفكر على وجه العموم؟ إن فكرة التطور ما هي إلا عودة إلى السُّوفسطائية القديمة، إنها عودة إلى آراء اليونان القدماء؛ لأن معنى التطور في الفكر أنه ليس هناك قضية ثابتة، وإنَّما جميع القضايا الفكرية مُتطوِّرة، وهذا التطوُّر لا ينتهي إلى حدٍّ، إذن هناك النِّسْبِيَّةُ باستمرار، وهناك النسبية المُطلقة، وهناك إذن الخطأ المستمر، وهذا الخطأ لا عِلاج له ما دمنا نقول بالتطور؛ لأنه ما دُمنا نقول بالنسبية وبالتطور، فليس هناك الثبات، وإذنْ لا يكون هناك ثبات في الدين، ولا يكون هناك ثبات في الأخلاق.
فإذا أدخلنا فكرتهم بالتطوُّر في الدين، فقد قضينا على الدين، وإذا أدخلنا فكرة التطور في الأخلاق، فقد قضينا على الأخلاق.
وهذه الفكرة التي أتحدَّث عنها، فكرة إدخال التطور في الدين فكرةٌ سمعناها مِن الكثيرين، لقد ألِفْنَا كلمة التطوُّر، وألِفنا كذلك كلمة إدخال التطور في الدين إلى درجة أنه يُخيَّل إليَّ وأنا أتحدث فيها، أن الأمر غريب على بعض الأذهان التي تتساءل: لمَ لا يكون في الدِّين تطوُّر.
ولكن إذا فُهِمتْ فكرة التطور على حقيقتها، وإذا فُهمت فكرة الدين على حقيقتها، كان لا مَنَاصَ مِن الإقْرار، بأن الدين لا يَدخله ـ أبدًا، ولا شَرْوَى نَقِيرٍ، لا، ولا قُلامَةُ ظُفرٍ ـ فكرة التطور.