أولًا: إن الصحراء يُمكن أن تُقْهَر أو تُذلَّل، وأن تُصبح ثروةً ضخمةً لو وَجَدَتِ الإخلاص لله وللوطن، لو وَجدت أذكياء قد تَخَلَّوْا عن الخُمول، لو وَجدت رجالًا يَنظرون إلى مصر مُحبِّينَ لها عاملينَ مِن أجلها، وخُذْ أمثلة مِن كل قارَّة في العالَم، فستَجدُ مَن زَرَعُوا الصحراء بزِراعات مناسبة، وتغلبوا عليها.. إن أشجار الزيتون مثلًا تصبر على الماء ثلاث سنوات، هل فكَّرنا في زراعة الزيتون، وليس في أراضينا أرضٌ لا يَنزل فيها المَطر، لا صَيْفًا ولا شتاء ثلاث سنوات متوالية إلا في النادِر المَحدود، إن أقاليمَ بـ"تُونس"لا تنزل فيها الأمطار إلا نادرًا، لقد زرعتها"تونس"زيتونًا، وأصبح الزيتون في تونس مِن المصادر الرئيسية للثروة، ويَستطيع خبراء الزراعة أن يُحدِّثوك عن إمكاناتٍ لا حدَّ لها فيما يتعلق باستثمار الصحراء.
هل قرأتَ كتاب:"الصحراء ثَرْوَةٌ وثَوْرَةٌ"، إن مؤلفه يُؤكِّد أنه مِن المُمكن زراعة سبعينَ مليونًا مِن الأفدنة في مصر، لابد مِن أن يَنتَفضَ رجال مصر انتفاضةً مُؤمنة بمصر وبمُستقبل مصر، ويجب أن يُفكِّروا في جِدٍّ وإخلاص في تذليل الصحراء وقهْرها، وفي الاستفادة بكل قَطْرةٍ مِن مياه النيل، وفي طرق الري الحديثة. وفي وسائل الإخْصاب الزراعي الكثيرة. وفي عصرٍ مُزدهر لمصر الزراعية.
ومع كل ذلك فإننا نقول مع القائلينَ المُخلصين الصادقينَ: إن الاتجاه في مصر إلى الزراعة قُصور في التفكير، بل هو قصور المُستعمر، ولم نتخلص منه إلى الآن. إن المستعمر أراد لمِصر أن تَقْبَعَ بين حدود معينة مِن الأراضي الزراعية التي لا تَنطلق منها إلى بقية البُقْعة الأرضية الصحراوية لِتَظَلَّ مَحدودةَ الدخْل، محدودةَ الإمكانيات، محدودة التأثير في العالَم، لا دَوْرَ لها بين الأمَم.