فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 1350

ولكنا نرى أن السبب في نشأة الشيعة لا يرجع إلى الفرس عند دخولهم في الإسلام، ولا يرجع إلى اليهودية ممثَّلة في عبد الله بن سبأ، وإنما هو أقدم من ذلك؛ فنَوَاتُه الأولى ترجع إلى شخصية علي، رضي الله عنه، من جانبٍ وصلتِه بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ من جانب آخر.

وتوضيح ذلك أن صلة عليٍّ بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أقدم من الإسلام نفسه. ولم يَنسَ محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد زواجه بخديجة، رضي الله عنها، عَطْفَ أبي طالب عليه ورعايته له، فقد ضم أبو طالب الرسولَ إليه وكَفَلَه بعد وفاة جده عبد المطلب، وذلك بالرغم من كثرة عياله وعدم ثرائه.

وكان من تصرفات المقادير أن أصابت قريشًا أزمةٌ شديدة، فتحدث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع عمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم، فقال له:

إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترى من هذه الأزمة، فانطَلِقْ بنا إليه فَلْنُخَفِّفْ من عياله؛ آخُذُ من بنيه رجلًا وتأخذُ أنت رجلًا، فَنَكِلُهما عنه. فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب (سيرة ابن هشام ص293) وانتهي الأمر بينهما وبينه أن أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليًّا فضمه إليه، وأخذ العباسُ جعفرًا.

نشأ عليٌّ مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ نعومة أظفاره، فتفتحت عيناه طفلًا على أكرم مثلٍ للقدوة الحسنة، ممثَّلة في الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتفتَّحت عيناه على أكرم مثلٍ للود المتبادَل بين الزوجين الطاهرين، والحنان الذي يملأ البيت الكريم، والرحمة التي تَفيض من قلب محمد وخديجة، فيكون من أثرها حملُ الكَلِّ، وصلةُ الرحم، وقِرَى الضيف، والإعانةُ على نوائب الدهر، فترك ذلك في نفسه أكرَمَ الأثر.

وأوحى الله إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعليٌّ يومئذٍ ابنُ عشر سنين، فلم تَتدنَّس جبهته بالسجود لصنم، ولم يكن في سنٍّ تُجتَرَحُ فيها المعاصي، فاعتنق الإسلام طاهرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت