فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 1350

أحدهما، خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى أحد منهم.

وقد بيَّنَت الحوادث أن عليًّا لم يكن لينقُلَ الخلافة بالوراثة، فهو قد سار سيرة النبي وسيرة عمر فلم يَعْهَدْ لأحد من بعده.

والآخر، أن عليًّا لم يقبل ما عرضه عليه عبد الرحمن؛ من أن يبايع على كتابِ الله وسنةِ رسوله وفِعلِ أبي بكر وعمر، لا يَحيد عن شيء من ذلك، تَحرَّجَ عليٌّ من أن يعطيَ هذا العهد مخافة أن تَضطَّرَّه الظروف إلى أن يَقصُرَ عن الوفاء به كاملًا، فعرض أن يبايع على أن يَلزَمَ كتابَ الله وسنةَ رسوله وسيرةَ الشيخين بقدر جُهده وطاقته ("عثمان"للدكتور طه حسين ص 152-153) .

وللمرة الثالثة لم يَتولَّ سيدنا عليٌّ الخلافةَ، إنما تولاّها سيدنا عثمان، واستمر سيدنا عليٌّ المنارةَ والهدَى والمثلَ الأعلى. وحدثت الأحداث التي انتهت بقتل سيدنا عثمان، وتولَّى سيدنا عليٌّ الخلافة فلم يتغير سلوكه ولم ينحرف عن الجادّة.

وقد عاش عليٌّ قبل الفتوح كما عاش بعد الفتوح، عيشةً هى إلى الخشونة والشَّظَفِ أقربُ منها إلى الرقة واللِّين، فلم يتَّجِرْ ولم يَتَّسعْ، وإنما اقتصر على عطائه يعيش منه ويَرزق أهلَه ويستثمر فضوله في مال اشتراه بيَنبُع، ثم لم يَزد عليه.

ولما مات لم تُحْصَ تَرِكَتُه بالألوف، فضلًا عن عشراتها أو مئاتها أو الملايين، وإنما كانت تَرِكَتُه ـ كما قال الحسن ابنه في خطبة له ـ سبعَمائةِ درهم، كان يريد أن يشتريَ بها خادمًا.

وكان عليٌّ في أثناء خلافته القصيرة يلبس خشن الثياب والمرقَّع منها، ويحمل الدِّرَّة، ويمشي في الأسواق فيعظ أهلها ويؤدبهم، كما كان يفعل عمر، فكان هذا دليلًا على أن عمر كان صادق الفِراسة حين قال: لو وَلَّوا الأجلَحَ لحمَلَهم على الجادّة (عثمان ص 15)

حقًّا لقد كان سيدنا عليٌّ مثلًا ساميًا في الدين والأخلاق، ومع ذلك فإنه لم يَكَدْ يتولى الخلافة بعد مقتل سيدنا عثمان حتى اضطرب الأمر واختل النظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت