أما بعد، أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقًّا ولهنَّ عليكم حقًّا؛ لكم عليهنَّ ألا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، وعليهنَّ ألاَّ يأتينَ بفاحشة مبيِّنة، فإن فعَلنَ فإن الله قد أَذِنَ لكم أن تَهجروهنَّ في المضاجع وتضربوهنَّ ضربًّا غير مبرِّح، فإن انتَهَينَ فلهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف. واستوصُوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ عندكم عَوَانٍ لا يَملِكنَ لأنفسهنَّ شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهنَّ بأمانة الله واستَحلَلتُم فروجهنَّ بكلمات الله.
فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلَّغتُ.
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تَضِلُّوا أبدًا أمرًا بيِّنًا؛ كتاب الله وسنة رسوله.
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه.
تَعلَمون أن كل مسلم أخٌ للمسلم، وأن المسلمين إخوةٌ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طِيبِ نفسٍ منه، فلا تَظلِمُنَّ أنفسَكم. اللهم هل بلَّغتُ؟""
فأجاب الناس من كل صوت: نعم. فقال:"اللهم فاشهد".
هذه هي خطبة الوداع، وسُمِّيَت بذلك لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودَّع الدنيا وذهب إلى الرفيق الأعلى بعد أداء مناسك الحج والذَّهاب إلى المدينة بقليل.
وكان أسلوبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها أسلوب مودِّع، كقوله:"اسمعوا واعقلوا فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في هذا الموقف أبدًا ... ألاَ هل بلغتُ؟ اللهم فاشهد".
وقد حدث أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد الخطبة نزل عن ناقته وأقام حتى صلى الظهر والعصر، ثم ركبها وسار حتى الصحراء، وهنا تلا على الناس قوله تعالى: (اليومَ أكمَلتُ لكم دينَكم وأتمَمتُ عليكم نعمتي ورَضِيتُ لكم الإسلامَ دينًا) فلما سمعها صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله عنه بكى، إذ أحس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تمت رسالته قد دنا يومُه الذي يَلقَى فيه ربَّه.