وكما حرَص الربع الأول على تحديد وتعريف أنواع الناس الذين سيَجري التعامُل معهم فإنَّ الربع الثاني حريصٌ على تحديد علاقة الإنسان أوَّلًا بخَالِقِه ثم الملائكة قبل أن يدخل مع القرآن ـ في الرسالات.. ينبغي أن تكون هذه العلاقة واضحة ومُستقرة رحمة بالإنسان عندما يعرف مصادر القوة، ويعرِف مصادر العلْم، ويعرِف مصادر السُّلطة، وممَّن يستمد الإنسان كل هذه المُساندة. فمِن أكبر النِّعَم التي تفضَّل الله بها على الإنسان أن يشمله برحمته، وأن يُزوِّدَه بعلْمه وأن يُسخِّر له ما في الأرض جميعًا، وميزة العلْم في حدِّ ذاتها مِن أكبر الدِّعامات لتحقيق الرحمة للفرد في تنمية هذا العلْم الذي وضَع الله به آدم عند نُقطة أساس يُمكن أن ينطلق منها إلى مَنابع الغيْب بلا قيْدٍ وبلا حدٍّ في نطاق ما يأذن به رب هذا الوُجود، فالحوار يُؤكد كرامة الإنسان، ويُؤكد دَوْر الإنسان في عمارة الكون ومَسئوليته عن هذا العلْم الذي أودعه الله فيه، والفتوى يُشار إليها بأنه علَّم آدمَ الأسماء كلها ثم عرَضهم على الملائكة، فقال أنْبئُوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتمْ صادقينَ قالُوا سُبحانكَ لا علْمَ لنَا إلاَّ مَا علَّمْتَنَا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحَكيمُ.
وهنا يُضاف إلى العلْم الحِكْمةُ. وقد يُعطَى لنا العلْمُ، ولكن الحِكْمةُ هي التدبير المُحكم وهى صَنْعة الله، وإن الذين يَشْقَوْنَ في هذه الحياة هم الذين يُريدون أن يعرفوا الحِكْمة وراء كل شيء ومِن وراء كل تدبير؛ لأنهم يعيشون في الظاهر، والله ـ سبحانه ـ الأول والآخر والظاهر والباطن، فمَهما كان مِقدارُ علْمك، فإنه فوق كل ذي علْم عليم، إن الله لا يحب أن يُسأل لماذا ولا كيف.. أمَّا إذا تفضَّل الله على عبدٍ مِن عباده فآتاه الحكمة؛ فمِمَّا لا شك فيه أنه قد أُوتِيَ خيرًا كثيرًا، ويَنتَهِي الحوار بالكلمة الفاصِلَة التي يجب أن ينتهي إليها كل إنسان حتى لا يتْعب.