قال أبو عبيد: وهو قول مالك، والنووي، والأوزاعي ومَن بعدهم مِن أرباب العلْم والسُّنة الذين كانوا مَصابيح الهُدى وأئمة الدِّين مِن أهل الحجاز والعِراق والشام وغيرهم.
قال ابن بطَّال: وهذا المعنى أراد البخاري ـ رحمه الله ـ إثباتَه في كتاب الإيمان وعليه بوَّب أبوابه كلها. فقال:
باب أمور الإيمان.
وباب الصلاة مِن الإيمان.
وباب الزكاة مِن الإيمان.
وباب الجهاد مِن الإيمان. وسائر أبوابه.
وإنما أراد الردَّ على المُرجئة في قولهم إن الإيمان قولٌ بلا عمل وتبيَّن غَلَطُهم وسُوء اعتقادهم ومُخالفتهم للكتاب والسُّنَّة ومَذاهب الأئمة.
ويَنهج الإمام الطبري هذا النهج أيضًا فيقول:"الإيمان ـ كلمةً جامعةً ـ الإقرارُ باللهِ وكُتبهِ ورُسلِهِ، وتَصدِيق الإقرار بالفِعْلِ". ا.هـ.
بَيْدَ أنّ العامَّة ـ وهي دائمًا الأكثرية ـ انتهتْ بالإيمان إلى أن أصبح على حدِّ تعبير الشيخ محمد عبده:"يُطلق عند الناس على ذلك الاسْتسلام التقليدي الذي لم يأخذ مِن النفس إلا ما أخذ اللفظ مِن اللسان، وليس له أثر في الأفعال؛ لأنه لم يقع تحت نظَر العقل، ولم يَلْحظه وِجْدان القلب، بل أُغْلِقَتْ عليه خِزانةُ الوَهْم، ومثل هذا الذي يُسمونه إيمانًا لا يُفيد في إعداد القلب للاهتداء بالقرآن."
وهذا الذي غلَب على العامَّة مِن معنى الإيمان، أثَّرَ على بعض علماء الكلام أنفسهم فتَناقَشُوا نِقَاشًا طويلًا في معنى الإيمان، وهل هو التصديق بالقلب فحسب بالغًا ما بلَغ هذا التصديق مِن الضعف والسلبية أو أنه تصديقٌ وفِعْلٌ، وقد أراقَ المُتكلمون كثيرًا مِن المِداد لتَحْبِير العشَرات مِن الصفحات في هذا الموضوع.