وإذا تدخَّل العامَّة في الشئون العلمية، وإذا تأثَّر العلماء بآراء العامَّة، مُتخلِّفينَ بذلك عن القيادة، مُتخلِّينَ بذلك عن القيادة الرَّشِيدة، فإن الأمر ينتهي لا مَحالة بأن ينزل العلماء إلى المستوى الشعبي"شاعرينَ بهذا النزول أو غير شاعرينَ"، ومِن هنا كان الرأْيُ يسود في بعض أوساط المتكلمين: أن الإيمان مُجرَّد التصديق مهما كانت مَنزلة هذا التصديق من الهزَل والسلبية وكان مِن فضْل الله علينا أن بيَّن لنا ـ سبحانه ـ مقاييس الإيمان في كتابه الكريم، والصور الإيمانية في هذا الكتاب الخالد لا تكاد تُحصَى.
وكان مِن فضْلِ اللهِ أيضًا أن الرسول ـ صلوات الله عليه ـ بكلامه، وفِعله، وسِيرته يُحقِّق مَثَلًا أعلَى للإيمان كما أراد الله ورسوله.
ونُريد ـ بتوفيق الله ـ في حديثنا عن الإيمان: أن نتَّخِذ الأساس القرآن الكريم وأحاديثَ صحيحةً رواها الإمام البخاري والإمام مسلم في أصحِّ الكتب بعد كتاب الله ـ تعالى ـ وقد ذكرنا بعض الآيات فيما سبق.
أما الأحاديث: فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ يقول رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ:"الإيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعبةً، والحياء شُعبة مِن الإيمان". رواه الإمام البخاري. ورَوَى الإمام مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"الإيمان بِضْعٌ وسُتونَ أو بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعبةً فأفضلها قول لا اله إلا الله، وأدْناها إِمَاطَةُ الأذَى عن الطريق، والحياءُ شُعبة مِنَ الإيمان".
وحينما بَنَى سادتنا العلماء المُحقِّقون ـ الذين أخلصوا لله ورسوله ـ تلك الشُّعَبَ عن طريق الأحاديث الشريفة التي وضَّحت الإيمان، وعن طريق الآيات القرآنية الكريمة التي تَحدَّثت عن الإيمان: قسَّموا تلك الشُّعَبَ إلى ما يَخْتصُّ منها بالقلب، وما يختص باللسان، وما يختص بالبدن، أي أن الإيمان يَغمر الكيان الإنساني كله، اعتقادًا وقوْلًا وفِعْلًا.