إذا قلنا بأخْذ الناحية الصالحة في الحضارة الحديثة ورفْض الناحية غير الصالحة فإن الرأي لا يستقيم؛ لأن الناس يختلفون فيه اختلافًا كبيرًا، ولا يتأتَّى التحديد: تحديد الصالح وتحديد غير الصالح، لا يتأتَّى الاتفاق على التحديد ما دُمنا في مجال العقل فحسب، وما دامت المسألة آخذة وَضْعَها العقليَّ الفكريَّ فقط.
ما المخرج ـ إذن ـ مِن هذا؟
ما هو ـ إذن ـ مَوقفنا من الحضارة الحديثة إذا كُنَّا لا نقبلها ولا نرفضها ولا نقبل التوسُّط فيها؟.
وأريد أن آخذ الآن في إبداء رأينا الشخصي فيما يتعلق بالموضوع، ونحن فيما يتعلق بمجال الحضارة الحديثة نرى ـ كما يرى غيرُنا، والآراء فيما سنذكره لا تختلف تقريبًا ـ أن الحضارة الحديثة تنقسم إلى قسمين:
القسم الماديّ:
قسم المَعامل والمَصانع، قسم الطب، قسم الكيمياء، قسم الطبيعة هذه الناحية المادية البحْتة من الحضارة الحديثة لا يتأتَّى لنا قط أن نقول: إن أوربا ابتدعتها ابتداعًا أو اخترعتها اختراعًا.
وهذه الناحية نفسها ـ الناحية المادية ـ لها جانبانِ.
جانب المنهج ـ وجانب الموضوع: أما فيما يتعلق بجانب المنهج، فإن ه منهج الاستقراء، وهو منهج تَتَبُّع الجزئيات للوصول إلى نتيجة كلية.
هذا المنهج الاستقرائي، أو المنهج العلمي، أو منهج السمع والبصر أي منهج الملاحظة ـ منهج إسلامي.
لقد سار عليه الإسلام وسار عليه المسلمون قبل أن تنشأ الحضارة الأوربية. (إنَّ السمْعَ والبصَرَ والفُؤادَ كلُّ أولئكَ كانَ عنهُ مَسئولًا) .