والرحمة إذنْ هي الطابع العام، لكل التعاليم الإسلامية سواء في ذلك ما يختصُّ بالمجتمع أو ما يختصُّ بالفرد، وسواء في ذلك ما يتصل بالجانب العقدي أو الجانب الأخلاقي التشريعي. وهذه الرحمة تظهر في مُختلف ميادين النشاط الإنساني بصورة مُتعدِّدة، فتَظهر في المجتمع بمَظهر العدالة والأخوة، وقد ربَط الإسلام المجتمع بعضه ببعض برِباطٍ كرِباط البناء المُحكم"المؤمنُ للمُؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضه بعضًا". ويَتماسَك كتماسُك الجسد الحيِّ الذي يسعد جميعه أو يَشقى جميعه، بسَعادة أعضائه أو بشَقائها"مثل المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمَثَل الجسد الواحد: إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائر الأعضاءِ بالسهَر والحُمَّى".
وهذا الإحكام، وهذا الترابُط: إنما كان بسبب العدالة السارية التي تكبَح شهواتِ الجَمُوح ، وترد من غرَب الطامع، وتَفِيءُ بالمسرفين إلى سبيل الاعتدال. والأُخوة بجوار العدالة عاملٌ ثانٍ مِن عوامل الترابُط والتماسك.
والمؤمنون: لوحدة أهدافهم، ولوحدة آمالهم: هم إخوةٌ متعاونون. (إنَّمَا المؤمنونَ إخوةٌ) . وتظهر الرحمة في الفرد ـ في أسمى معانيها ـ في صورة التجرُّد لله ـ سبحانه وتعالى ـ: (أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ) . وهذا الدين الخالص: إنما هو العبودية الكاملة لله وحده، وإذا ما وُجدت هذه العبودية، وُجد الإيثار والتضحية، والبذْل والفداء، ووُجد كل خُلق كريم، وكان البعد عن كل خُلق ذميم، وأصبح الإنسان الذي يتمثل فيه ذلك رحمةً، أينما حلَّ وحيثما أقام، ولكنه هو نفسه: يُصبح ـ أيضًا ـ بعبوديته هذه في كنَف الله ـ تعالى ـ وفي رِعايته، وكان آمنًا على نفسه، وعلى ذَوِيهِ، سعيدًا بعِناية الله ـ تعالى ـ به وتوفيقه له، فهو إذن مغمورٌ برحمة الله.