ولمَّا رأى بعض الصالحينَ مِن قوم قارون أن الثروة والجاه أفْسَداهُ، تَشاوروا فيما بينهم، واتَّفقوا على أن يُسْدُوا إليه النصيحة، فلمَّا اجتمعوا به، تَلطَّفُوا في القول ما استطاعوا، وأجملوا النصيحة في أمور خمسة هي في الواقع القواعد العامة المثالية لمَا ينبغي أن يكون عليه الأثرياء، وهي القانون الذي يجب أن يَخضع له أهل الغِنَى قالوا له:
إنكَ مُباهٍ بثَروتك ـ فَخورٌ بها، فرِح بكثرة المال، وما ينبغي أن يكون الفرَح بالمال إلا لأنه وسيلةٌ إلى النفع، فلا تفرح بكثرة المال فرَحَ بَطَرٍ، فإن الله لا يُحب الفرِحين الذين يتمثَّل فيهم ذلك.
وقد أتاك اللهُ الكثير المُتنوِّع فابتغِ فيما آتاك اللهُ الدارَ الآخرة، واتَّجِهْ في كل ما تأتي وما تدَع إلى تقوى الله ومَرضاته.
والدنيا مَزرعة الآخرة وطريقها فلا تَنْسَ نَصِيبك مِن الخطوات في هذا الطريق بالعمل الصالح الذي سيكون رَصيدك يوم لا يَنفع مال ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم.
وأحْسِنْ كمَا أحْسَنَ اللهُ إليك، فاجعلْ زكاة مالِك مُساعدةَ الفقير، وزكاة قُوتك نُصرة الضعيف، وزكاة جاهِك مُعاونة المظلوم حتى يستردَّ حقَّه.
ولا تَبْغِ الفسادَ في الأرض، إن الله لا يُجب المُفْسِدينَ.
ولكن هذه المبادئ السامية: التي إذا عمَّت كانت الدستور لكل صاحب جاه أو نعمة لم تلقَ أُذُنًا مُصغيةً لدَى قارون الذي ألهاهُ التكاثر فقال ساخرًا مُتَحَدِّيًا لا يُبالي. (إنَّمَا أُوتِيتُهُ علَى عِلْمٍ عِنْدِي) .
لقد أُوتيتُ هذا المال بسببِ تَدبيري وحِكْمتي، وحُسن تَصريفي للأمور، وحَدْسي الذي لا يُخطئ في شئون التجارة، ورأيِي الصائب في ارتفاع الأسعار ونُزولها، وأَنْكَرَ بذلك أيَّ أثَرٍ إلهيٍّ للنعمة التي يَنعم بها.
وتناسَى قارون، وهو في نَشْوَةِ الثراء وحَماسة الجدل، الأخبار الصحيحة التي تدلُّ على أن