الله ـ سبحانه ـ أهلك كل ذِي جاهٍ لم يَتَّقِ الله فيما أنعم به عليه، ولم يُؤدِّ حق النعمة مالًا كانت أو قوةً أو رِئاسةً.
(أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قد أهلكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرون مَن هوَ أشدُّ مِنهُ قُوةً وأكثر جَمْعًا) . وأراد قارونُ أن يتحدَّى وأنْ يَسخر وأن ينعم بالتحدِّي والسخرية ممَّن نَصَحُوه، فخرج يومًا على قومه في موكبٍ كأبْهَى ما يكون مِن الزينة والأُبَّهَةِ، وكَأَضْوَأِ مَا يكونُ بَرِيقًا وزُخْرُفًا، لقد خرج على قومه في زِينته ـ في كلِّ زينته ـ فمُدَّتْ إليه الأعيُن، وأخَذ بَريقُ الذهب الذي يتحلَّى به الركبُ يَخْطَفُ بالأبصار، ولَمَعَانُ الفضة المُحلاة بها سُروج الخيل يَخلُب الأفئدة.
وتَهادَى الركب بقارون وهو ينظر يمينًا وشِمالًا في كبرياء سافر، وفي غرور مَكشوف ولمَّا رأى هذا المنظر الذين يَسيرونَ بحَسب قانون الغرائز، ويُريدون الحياة الدنيا فَتَنَهُمْ بَرِيقُ الذهب ولَمَعَانُ الفضة وزُخرف الموكب، فقالوا في شهوة غلَّابة وفي جوع إلى المال نَهِمٍ: (يا ليتَ لنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إنَّهُ لذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) .
ولكن الذين هداهم الله إلى صِراطه المُستقيم رَدُّوا عليهمْ مُنَبِّهِينَ: (وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خيرٌ لمَن آمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا) .
وسُنة الله لا تتخلَّف عادةً، نذكر منها فيما نحن بصدَده قوله تعالى: (حتَّى إذَا أَخَذَتِ الأرضُ زُخْرُفَهَا وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهلُها أنَّهمْ قَادِرُونَ علَيها أتَاهَا أمْرُنَا ليلًا أو نهارًا فجَعلناهَا حَصِيدًا كأَنْ لَمْ تَغْنَ بالأَمْسِ) .
وقوله تعالى: (وإذَا أَرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَريةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فحَقَّ علَيها القولُ فدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) .