وإذا كانت هذه سُنة الله في الأرض"وفي القرَى"، فماذا ينتظر أن تكون في قارون وأمثاله؟ إنها: (فَخَسَفْنَا بِهِ وبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كانَ لهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ ومَا كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) .
ولمَّا رأى الذين تَمَنَّوا مكانَ قارون بالأمس ما حلَّ به رجعوا إلى الله وأنابُوا إليهِ (وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لوْلَا أنْ مَنَّ اللهُ علَينا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ) .
أمَّا العِبْرَة مِن كلِّ ذلك فيُلَخِّصُها القرآن ـ عند انتهاء قصة قارون ـ تلخيصًا جميلًا مُوجزًا:
(تلكَ الدارُ الآخرةُ نَجْعَلُهَا للذينَ لا يُرِيدونَ عُلُوًّا فِي الأرضِ ولا فَسَادًا والعاقبةُ للمُتَّقِينَ) .
وإلى هنا انتهتْ قصة قارون، وكان يُمكننا أن نَقِفَ عند هذا الحدِّ، ولكن هناك بعض الطرائف والمُلاحظات، يقول الله ـ تعالى ـ عن قارون: (وآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولِي القوَّةِ) .
يقول صاحب البحر المحيط: (سُمِّيتْ أموالُه كُنوزًا؛ لأنها لم تُؤدِّ الزكاة، وعلى ذلك فإن الأموال التي تُؤدَّى فيها الزكاة لا تدخل تحت قوله ـ تعالى ـ(الذينَ يَكْنِزُونَ الذهبَ والفِضَّةَ) .
أما عن المَفاتح التي تَنُوء بها العُصبة أُولو القوة، فقد قال أبو مُسلم رأيًا له طريفًا جِدًّا في تفسيرها فقد قال: المراد مِن المَفاتح، العلْم والإحاطة كما في قوله ـ تعالى ـ: (وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ) . والمراد:"وآتيناه مِن الكنوز هذه لكثْرتها واختلاف أصنافها تُتْعِبُ حَفَظَتَهَا القائمينَ على حِفْظها."