وفي قولِه تعالى: وفي الأرضِ قِطَعٌ مُتَجاوِرات (4 - الرعد) ، أَي: مُتقارِبات. ولما استُعظِم حقُّ الجار عَقْلًا وشَرْعًا عُبِّرَ بِهِ عَن كلِّ مَن يُعَظَّم حقُّه أو يَستَعْظِم حَقَّ غيرِه بِالجار، قال تعالى: والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُبِ (36 - النساء) ، فالجارُ ذو القُربى هو نَسيبُكَ النازِلُ مَعَك في الجِوار، ويكونُ نازِلًا في بَلْدَةٍ وأَنْتَ في بلدة أُخرى، فَلَهُ حُرمَةُ جِوارِ القَرابَة، والجارُ الجُنُب، أي: يَسْألُهُ أَنْ يُجيرًه، أَي يَمْنعه فَينزِلَ مَعَه. والجَارَه: الضُرَّه، من المُجاوَرَة بَينهُما أي أنَّها تَرى حُسْنَها فَتَغيظُها بِذلك، وحديث عمر رضي الله عنه لِحفْصَة: لا يَغُرّك إنْ كانَت جَارَتُك هي أَوْسمُ وأَحبُّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنكِ، يعني عائشة. والمرأةُ جارَةُ زَوجِها لأَنَّه يُجيرُها ويَمنَعُها ولا يَعتَدي عَليْهَا. وأَجارَ الرجلَ إجارةً: سَأَلَه ان يُجيرَه. قالَ تعالى: وإنْ احدٌ مِن المُشركين استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حتى يَسمعَ كلامَ الله ثم أَبْلِغْهُ مَأمَنَه (6 - التوبة) ، المَعنى إنْ طَلَبَ مِنْكَ أَحدٌ مِن أَهلِ الحَربِ أَن تُجيرَه مِن القَتلِ إلى أَنْ يَسمعَ كلامَ اللهِ فأَجِرهُ، أَي أَمِّنْهُ ما يَجِبُ عليهِ أَن يَعرِفَهُ مِن أَمْرِ الله تعالى الذي تَبَيَّن بِهِ الإسلامُ، ثم أَبلِغْهُ مَأمَنَهُ لِئَلا يُصابَ بِسوءٍ قبلَ إنتِهائِهِ إلى مَأمَنِه. وقوله تعالى: فمن يُجيرُ الكافِرين مِن عذابٍ أَليم (28 - الملك) يُنَجِّيهِم ويَمْنَعُهُم ويُؤَمِّنُهُم. ومَنْ عاذَ بالله أَي: استَجارَ بِالله أَجارَهُ، ومَن أَجارَه اللهُ لَم يُوصَل إليه، كَما في قولِه تعالى: وهو يُجيرُ ولا يُجارُ عَلَيه (88 - المؤمنون) ، لا يُغيثُ أَحَدُ مِنْهُ أَحَدًَا ولا يَمْنَعُه فَيَرْفَعُ عَنه عَذابَه وعِقَابَه. وقال الله تعالى لنبيهِ صلى الله عليه وسلم: قُلْ إنِّي لَنْ يُجيرَني مِنَ اللهِ أَحَدٌ ولَنْ أَجدَ مِن دونهِ مُلْتَحَدًا (22 - الجن) ، أَي: لَنْ يَمْنَعَني مِنَ اللهِ أحَدٌ. وفي الحديثِ: ويُجير عليهِم أَدْناهُم، أَي: إذا أَجارَ واحِدٌ مِن المُسملين حُرًّا أو عبدًا أو إمرأةً، واحِدًا أو جَماعَةً مِن الكُفَّار وخَفَرَهُم وأمَّنًهُم جازَ ذلك على جميعِ المُسلمين لا يُنقضُ عليه جِواره وأمَانُه. وقوله تعالى: وإذْ زَيَّن لهُم الشَّيْطانُ أَعْمالَهُم وقال لا غَالِبَ لكُم اليومَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكُم (48 - الانفال) ، قال الفراء: هذا إبليسُ تَمَثَّلَ في صورةِ رجُلٍ مِن بَني كِنانَة، وقولُه إني جارٌ لَكُمْ يُريدُ: أُجيرُكُم، أَي إنِّي مُجيركُم مِن قَوْمي بَني كِنانَة فلا يَعرِضُونَ لكُم، وأَنْ يَكونَ مَعَكُم على محمد. والجَوَار: الماءُ الكثير، قال القطامي يصِف سفينة نوح على نبينا عليه السلام: ولولا الله جار بها الجوار، اي الماء الكثير. وغيْث جِوَر: غزير كثير المطر شديد صوت الرعد. والمجاوَرَة الإعتكافُ في المسجد. وفي الحديث أنَّه كان صلى الله عليه وسلم يُجاوِر في حِراء في العَشرِ الأواخِر من رَمضان أي يعتكف، فأمَّا المُجاوَرَة بِمكةَ والمدينةِ فيُرادُ بها المُقام مُطْلَقًَا غيَر مُلتزمٍ بِشرائِطِ الإعتكاف، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ لا يُجاورونَكَ فيها إلا قَليلًا (60 - الاحزاب) ، أي: لِتَنْفِيَهُم مِنَ المدينةِ فَلا يِسكُنونَ مَعكَ فيها إلا قَليلًا مِنَ الزَّمَن.
إجتازَ الطريقَ والنَّهرَ والمَكانَ: عَبَرَه، إنتَقَل بينَ طَرَفيه، وكذلك قولُنا: إجْتَازَ الإمْتِحانَ والإبْتِلاء والعَقَبَاتِ ومَرْحَلَةَ الخَطَرِ والمَرَضِ والفَقْر وغَيْرَه، وجازَ الموضع جَوْزًا وجازَه: سارَ فيه وسَلَكَه. وفي حديثِ الصِّراطِ يقول عليه الصلاة والسلام: أَنَا وأُمَّتي أَوّلُ مَن يَجوزُ عليهِ. والإجتيازُ: السُلُوك. والجواز: صَكُّ المُسافِر. وتَجَاوَزَ بِهِم الطريقَ: خلَّفه. قال تعالى: وَجِاوَزْا بِبَني إسرائيلَ البَحْرَ (138 - الاعراف) ، أي: قَطَعْنا بِهِم البحرَ حتى جَاوَزُوه، كَما في قولِه تعالى: فَلَمَّا جَاوَزَه هُوَ والذينَ آمَنوا مَعَه (249 - البقرة) . وفي قولِه تَعالى: فَلما جَاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنَا غَدَاءَنا (62 - الكهف) ، أي: إجْتازَ وَخَلَّفَ وراءَه المَكانَ الذي سَيَلْتَقِي فيهِ مَعَ العَبدِ الصَّالِح. وجَوَّز لَهُم الإبِلَ إذا قَادَها بَعيرًَا بَعيرًا حتى تَجَوَّزَ. وأجَازه البيعَ: أَمضاهُ. والمُجيز: الوَلِيُّ، يُقال: هذِه المرأةُ لَيْسَ لها مُجيز. ومِن مَعاني المُجيز أيضًا: الَوِصُّي، القَيِّمُ بِأمْرِ اليَتيم، العَبْدُ المَأذونُ لَهُ بِالتِجارَة. وفِي حَديثِ نِكاحِ البِكْر: فإنْ صَمَتَت فهو إذْنُها، وإنْ أَبَت فلا جَوازَ عليها، أي: لا وِلايَةَ عَلَيْها مَعَ الإِمْتِناعِ. وفي حَديثِ أَبى ذَر رضي الله عنه: قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَليَّ، أي: قَبلَ أَنْ تَقْتُلوني وتُنْفِذُوا فِيَّ أَمْرَكم. والجائِزَة: