حِجَابًَا مَسْتُورًَا (45 - الاسراء) ، أي: جعلنا على قَلْبِهِ أَغْطِيَةً تَحولُ دونَ فَهْمِ كَلامِهِ عليهِ السلام، عن إبنِ عباس أنَّ الَّنضرَ بن الحارِث وأبا سُفيان وأبا جَهل وغيرِهِم كانوا يُجالِسون الرَّسول صلى الله عليه وسلم وَيَسمَعون حَدِيثَه، فقال النضر يومًا: ما أدْري ما يقولُ محمد غيرَ أَنَّي أَرى شَفَتَيهِ تَتَحرَّكان بشيء، قال تعالى: ومن بَيْنِنَا وبَيْنكِ حِجابٌ (5 - فصلت) ، مَعناه حاجِزٌ في النِّحلةِ والدِّينِ يَمْنَعُ التواصُلَ بَيْنَنَا، وهو تمثيلٌ لِنُبُوِّ قُلوبٍهٍم عَن إدْراكِ الحقِّ وقَبولِه ومَجُّ أَسْماعِهِم له، وهو مِثْلُ قَولهِ تعالى: قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ، إلا أنَّ معنى هذا أنَّنا لا نُوافِقُكَ في مَذْهب. أمَّا في قولِه تعالى: وبينَهُما حِجابُ (46 - الاعراف) ، أي: بينَ أَهلِ الجَنَّةِ وأَهلِ النَّارِ حاجِزٌ عظيمٌ وهو السُّورُ المَذكُور في قولِه تعالى: فَضُربَ بَينهُم بِسورٍ (13 - الحديد) ، يَمنعُ مِن وصولِ لَذَّةِ أهلِ الجنةِ إلى أَهلِ النار، وأَذيةِ أهلِ النارِ إلى أَهلِ الجنة، كما في قولِه تعالى: كَلا إنَّهُم عن ربِّهم يومئذٍ لَمَحْجُوبون (15 - المطففين) . وقولُه تعالى: وما كان لِبَشرٍ أنْ يُكَلِّمه الله إلا وَحْيًَا أو مِن وراءِ حِجاب (51 - الشورى) ، أي: بإرسالِ مَلَك تُرى صورتُه المعنيّة ويُسمع كَلاُمه كَجِبريل عليه السلام. وقولُه تعالى: حتى تَوارَت بالحَجاب (32 - ص) ، الحجاب ههنا الأُفق، يُريد: حينَ غَابَت الشمسُ في الأُفق واسْتَتَرَت بِهِ. وفي حديثِ أبي ذر: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الله يغفِر للعبدِ ما لَم يِقع الحِجابِ، قيل يا رسولَ الله: وما الحِجاب؟ قال: أنْ تموتَ النفسُ وهي مُشرِكَةٌ كَأنَّها حُجِبَت بِالمَوْتِ عَنِ الإِيمانِ.
الحَجُّ في الأَصْلِ: القَصْد، وفي العُرْفِ: قَصْدُ مَكّةَ للنُّسُك. قال تعالى: وأَذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأتوكَ رِجَالًا وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميق (27 - الحج) ، أَمَرَ اللهُ تَعالى إبراهيمَ عَلَيْهِ السلام بالمناداة: يا أَيُّها الناس إنَّ رَبَّكُم بَنى بَيْتًَا وَأَوْجَبَ عَليكُم الحَجَّ فَأحِيبوا رَبَّكُم، فَأجابَه كُلُّ مَنْ كَتَبَ لَهُ أنْ يَحُجَّ مِنْ أصْلابِ الرِّجالِ وأِرْحامُ الأُمَّهاتِ، فَقالَ تَعالى: وَأَتِمُّوا الحجَّ وَالعُمِرَةَ لله (196 - البقرة) . وَمِنْ شَعائِرِ الحَجِّ الوُقُوفُ بِعَرَفَة وَهُوَ أهَمُّ رُكْنٍ لِقَولِه عليه السلام: الحجُّ عَرَفَة، ثُمَّ الطَّوافُ بِالبيتِ العَتيقِ لِقَولِه تَعالى: وِلْيَطَوَّفوا بِالبيتِ العتيقِ، ثُمَّ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ لِقَولِه تعالى: إنَّ الصفا والمروةَ مِن شعائِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيتَ أَو إعْتَمَرَ فَلا جُناح عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (158 - البقرة) . والحَجُّ: المَرَّةُ الواحِدة. وذو الحِجَّةِ: شَهْرُ الحَجِّ وجَمْعُه: ذَواتُ الحِجَج، والحَجيجُ: جَمْعُ حاج. وامرأةُ حاجَّةٌ ونِسْوَةٌ حَوَاجُّ بيتِ الله (بالإضافة) إنْ كُنّ قَد حَجَجْن، وإنْ لم يَكُنَّ حَجَجْنَ قُلتَ: حَواجُّ بَيتَ الله بِنَصْبِ (بيت) . وَمِن آدابِ الحَجِّ في قَولِه تعالى: الحَجُّ أَشْهرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرضَ فِيهِنَّ الحجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ (197 - البقرة) ، والأَشهرُ المَعلومات هي: شَوَّال وذُو القِعْدَةِ وَعَشْرٍ من ذي الحِجَّةِ، وقال الفراء: مَعناه وقتُ الحَجِّ هذِهِ الأشهُر، قالَ تَعالى: يَسْألونَكَ عَن الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقيتُ لِلناسِ وَالحجِّ (189 - البفرة) . ويومُ الحجِّ الأَكْبَرِ: يومُ عَرَفَة ويَوْمُ النَّحْر، قال تعالى: وأَذانٌ مِنَ اللهِ ورسولِه إلى الناسِ يومَ الحَجِّ الأكْبَرِ (3 - التوبة) ، قيل هو يومُ النَّحْرِ الذي هو أِفْضَلُ أَيَّامِ المَناسِكِ وأَظْهَرِها وأَكبَرِها جَميعًا. والحِجةُ: السنة، والجَمْعٌ: الحِجَجُ. قال تعالى على لِسان والِد الفَتَاتَيْن يُخاطِبُ موسى عليه السلام بِشأنِ المهر: على أَنْ تَأْجُرَني ثَمانِيَ حِجَجٍ (27 - القصص) ، أَي: ثماني سِنين عَمَل. والحُجّة: البُرهان والدَّليل، قال تعالى: وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناهَا إبراهِيمَ عَلى قَومِه (83 - الانعام) . وحاجّهُ فَحَجَّه: أَي غَلَبَهُ بِالحُجَّة. قال تعالى: وَحَاجَّهُ قومُه قَال أَتُحَاجُّونِّي في اللهِ وقَد هَدانِ (80 - الانعام) . والتَحاجُّ والمُحاجَّة: التَخاصُم بِأَن يَطلُبَ كلُّ أَنْ يَرُدَّ الآخَرَ عَن حُجَّتِهِ ومَحجَّتِه، قال تعالى: أَلَم تَرَ إلى الذي حاجَّ ابْراهيمَ في رَبِّه (258 - البقرة) ، وقالَ تعالى: وإذْ يَتَحاجُّون في النارِ (47 - غافر) ، أي: يَتَخاصَمُ المُشرِكون في النار. وفي قولِه تعالى: والذين يُحاجُّونَ في الله من بَعدِ ما استُجيبَ لهم حُجَّتهم داحِضَهٌ عِندَ رَبِّهِم (16 -