وَتَركِ الإسْتِغْفَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعالى مُدَّةَ لُبْثِه عَلى الخَلاءِ. وَغَفَرَ المَتاعَ فِي الوِعَاءِ: أدْخَلَه وَسَتَرَه، وَكَذلِكَ غَفَرَ الشيبَ بِالخِضَابِ. وقولُه تَعالى: إَنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًَا مَبِينًَا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر (1 - الفتح) ، مَعْنَاه: لَيَغْفِرَنَّ لكَ اللَه، أَي: لِكَي يَجْتَمِعَ لَكَ مَعَ المَغْفِرَةِ تَمامُ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمَّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شيءٌ حادِث حَسُن فِيه مَعْنَِى كَيْ، والمُرَادُ بِالغُفْرانِ في الآيَةِ: الحَيْلُولَة بَيْنَ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ الذُّنُوبِ كُلِّها فَلا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَنْبٌ، وَهُوَ اللائِقُ بِمَقامِ النُبُوَّةِ. وفي صِفَاتِ المُؤمِنين يَقولُ تُعالى: وإذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون (37 - الشورى) ، فَهُم مِنَ الكَاظِمِينَ الغَيظَ والعَافِينَ عَنِ النَاسِ كَمَا أخْبَرَ سُبحانه، وقَولُه تَعالى: قُلْ لِلذينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلذينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ (4 - الجاثية) ، فَفِي ذَلِكَ صَبْرٌ عَلى أذَى الكُفَّارِ وإحْتِمالِ المَكْروهِ مِنْهُم. وَغَفَرَ الأمْرَ بِغُفْرَتِه وَغَفِيرَتِه: أصْلَحَ بِمَا يِنْبَغِي أنْ يُصْلِحَ بِه. وقِيلَ: إغْفِروا هَذَا الأَمْر بِغُفْرَتِه، أِي: أُسْتُروه بِمَا يَجِبُ أَنْ يُستَرَ بِه. وغًفًرً المَريضُ والجَريحُ وغُفِرَ: إنْتَكَس. وَالمَغافِيرَ: صَمْغٌ يَسيلُ مِن شَجَرِ العَرْفَط وَهُوَ حُلْوُ المَذاقِ يُؤْكَل ولَه رِيحٌ كَريهَةٌ مُنْكَرَة، رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهٌ عَنها أنَّ النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ عِنْدَ حُفْصَةَ العَسَل فَتَواصَيِتَا أنْ تَقُولا لَهُ أكَلْتَ مَغاَفِير، لِمَا وَقَعَ في نَفْسَيْهِمَا مِنَ الغِيرَةِ مِنْ ضَرَّاتِهِما حَتى إنَّه حَرَّمَ شُرْبَ العَسَل، فَشَرَعَ اللهُ سُبحانَه التَحَلُّلَ مِنَ اليَمينِ بِالكَفَّارِة.
الغَفْلَةُ: سَهْوٌ يَعْتَرِي الإنسانَ مِنْ قِلَّةِ التَحَفُّظِ والتَيَقُّظِ، يُقالُ: غَفَلَ عَنه يَغْفُلُ غَفْلَةً، وأَغْفَلَه عَنه غَيْرُه: تَرَكَه وَسَها عَنْه. وَتَنْبِيهًَا لٍمَن يَحْسَبونَ أَنَّ اللهَ عزَّ وَجَلَّ في غَفْلَةٍ عَنْ أَعْمالِهِم قولُه تَعالى: ومَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلون (74 - البقرة) ، وَمَعَها عَشْرُ آياتٍ أُخْرى، وقولُه تَعالى: وَمَا كٌنَّا عَن الخَلْقِ غَافِلين (17 - المؤمنون) ، لأنَّه سُبْحانَه وتَعالى لا يُحْجَبُ عَنه جَبَلٌ إلا يَعْلَمُ مَا في وَعْرِه، ولا بَحْرٌ إلا يَعْلَمُ مَا فِي قَعْرِه، ولا سماءٌ وَلا أَرضٌ وَلا حَبةٌ في ظُلُماتِ الأرضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ، وَمَا تُبْدِي صدورُ الخَلْقِ أو تُخْفِيه، لأنَّ كُلَّ ذلِكَ مِن صُنْعِه وإبْداعِه، وقَولُه تَعالى: إنْ كٌنَّا عَنْ عِبَادَتِهِم لَغِافِلِين (29 - يونس) ، تَبْكيتٌ لِلمُشْرِكين الذينَ عَبَدوا مَعَ اللهِ إلهًا غَيرَه. وَرَجلٌ غُفْلٌ: لَمْ تُسْعِفْهُ التَجارِبُ، وقِيلَ لا حَسَب لَه، قَال تَعالى: وَلا تُطِعِ مَنْ أغفَلْنَا قَلْبَه عَنْ ِذكْرِنَا (28 - الكهف) ، قِيلَ: مَنْ جَعَلْنَاه غَافِلًا عَن الحَقائِق. أَمَّا قولُه تَعالى لِرسولِه صلى الله عليه وسلم: وإنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِه لَمِنَ الغَافِلِين (3 - يوسف) ، فَالمَعنى أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَعْلمُ بِقِصَّةِ يَوسُفَ عليه السلام قَبْلَ نُزُولِ الآية. وقولُه تَعالى: إنَّ الذينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغَافِلاتِ (23 - النور) ، قَالَ إبنُ عباس: نَزَلَت في عَائِشَة وأزْواجِ النَبِيِّ صلوات الله عليهم أجمعين، وَلَيْسِتْ لَهُم تَوْبَةٌ لِتَطاوُلِهِم عَلى أَزْواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقولُه تَعالى: (إلا الذينَ تَابوا) فَهُوَ فِي تَحريمِ قَذْفِ كُلِّ مُحْصَنَةٍ. وَعَن عَائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنْها: رُمِيتُ بِمَا رُمِيتُ بِه وَأنَا غَافِلَةٌ فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ. وَأفْعَلْتُ يَجيءُ مَكانَ فَعَلْتُ مِثْلَ تَغَفَّلْتُه واسْتَغْفَلْتُه: تَحَيَّنْتُ غَفْلَتَه، ويُقالَ أغْفَلْتَ الشيءَ: تَرَكُْتَه غَفْلاَ وَأنْتَ له ذَاكِر. وقولُه تَعالى: وَكَانوا عَنْهَا غَافِلِين (136 - الاعراف) ، فِي تَرْكِهِم الإيمانَ بِالله وَالنَظَرِ فِيه وَالتَدَبُّرِ لَه بِمَنْزِلَةِ الغَافِلين، وَقيلَ: وَكانوا عَمَّا يُرادُ بِهِم مِنَ الإنابَةِ عَليهِ غَافِلِين، وَقَالَ تَعالى: وَهُم عَن الآخِرَةِ هُم غَافِلون (7 - الروم) ، يَعْرِفُونَ عُمْرَانَ الدُنْيَا وَلكِنَّهُم فِي أمْرِ الدينِ جَهَلَة. عَن ابنِ عَباس أَنَّه وَصَفَ الدَنْيَا بِالمَنامِ وَالآخِرَةَ بِاليَقْظَةِ، فَكَثيرًَا مَا يَغْفَلُ الناسَ عَن الآخِرَة. ولِذا قَال سُبحانه: لَقَد كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِنْ هَذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليومَ حَديد (22 - ق) ، قيلَ: أرادَ بِذلِكَ الكٌفَّار، وَقيلَ كُلَّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، حَتى الكُفَّار يَكونون يومَ القِيامَةِ عَلى الإسْتِقَامَةِ لَكِن ذلِكَ لا يَنْفَعُهُم. وَحَذَّرَنا الحَقُّ سُبْحانَه مِنَ الغَفْلَةِ عَن ذِكْرِه وَتَسبيحِه، قَالَ تَعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الغَافِلين (205 - الأعراف) . والمُغَفَّلُ: الذي لا فِطْنَةَ لَه، وَأَغْفالُ الأرضِ: المَجْهولَةٌ التي لَيْسَ مِنَها أثَرٌ يُعْرَف.