بَخَع نَفْسَه يَبْخَعُها بَخْعًَا وبُخوعا: قَتَلَها غَمًَّا مِنْ شِدَّةِ الوَجْدِ أَو الغَيْظِ، وأَصْلُ البَخْع أنْ تَبْلُغَ بِالذَّبْحِ النِّخَاع -بكسر اوله- وهو عِرْقٌ في القلب ِيجري في عَظْمِ الرَّقَبَةِ وذلكَ أقْصى حدِّ الذبح. ويقولٌ الله تبارَكَ وتعالى في خِطابِه لِرسولِه صلى الله عليه وسلم رَحْمَةً به وإشْفَاقًا عليه مِمَّا يُعانيه في دَعْوتِه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ على آثارِهِم إنْ لَمْ يُؤمِنوا بِهذا الحديثِ أسَفًَا (6 - الكهف) ، أي: قَاتِلٌ نَفسَكَ حُزْنًا وغَضَبًا لإعراضِهِم عَن الإيمانِ. وقولُه تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفسكَ ألاَّ يكونوا مؤمنين (3 - الشعراء) ، أي: إرْحَم نفسكَ وأَشفِقْ عَليها. وفي حديثِ عائِشَةَ رضي الله عنها أنَّها ذَكَرت عمر رضِي اللهُ عنه فقالت: بَخَع الأرضَ فَقَاءَتْ أُكُلَها، أي: قَهَر أهلِها وأذَلَّهٌم وإستَخْرَجَ ما فيها مِنَ الكُنوز وأموالِ المُلوك. وفي حديثٍ عُقْبَة بنِ عامِر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: أتاكُم أهلُ اليَمَن هم أرقُّ قُلوبًَا وأَلْيَنَ أفْئِدَةً وأبْخَعَ طاعَةً، أي: أنْصَحَ وأَبْلَغَ في إطاعَةِ مَنْ غَيْرَهم، كأَنَّهُم بَالَغوا في بَخْعِ أنْفُسِهِم أي قَهْرِها وإذْلالِها بالطاعةِ. وَبَخَعَ فُلانٌ نفسَه بِالطاعةِ وبِمَا عَليهِ مِنَ الحَقِّ: إذا أَقَرَّ بِهِ وأَذْعَنَ مَع كَراهَةٍ شَديدَةٍ تَجري مَجْرَى بَخْعِ نَفسِهِ في شِدَّتِهِ.
البُخل والبَخَل: ضدُ الكرم، وقَد بَخِل يَبْخَلُ بُخًلًا وبَخَلًا فهو بَخيلٌ، والجّمْعُ بُخَلاء، والبُخلُ فيه معنى المَنْعِ والإمساكِ، ومَعنى التَّضييقِ عَلى مَنْ مُنِعَ عَنِ المَعروفِ. قال تعالى: ها أَنْتُم هؤلاءِ تُدعَونَ لِتُنفِقوا في سبيلِ اللهِ فَمِنْكُم مَن يَبخَلُ ومَنْ يَبخَلْ فإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نفسِه (38 - محمد) ، أي: يبخلُ عَلى نفسِه. وقال تعالى: إنْ يَسْأَلْكُمُوها فَيُحفِكُم تَبْخَلوا ويُخرِجْ أضْغَانَكُم (37 - محمد) ، أي: أنَّكُم لا تُعطُوا مِنْ أموالِكُم إذا سُئِلْتُم وتُظهِرونَ أَحقادَكُم لِمزيدِ حُبِّكُم للمال. ولِلبُخلاءِ عِقابٌ في الدنيا والآخِرة كَما في. والبُخْلُ ضَربان: بُخْلٌ بقُنْياتِ نَفْسِه، وبخلٌ بِقُنْياتِ غيرِه، وهُوَ أكثَرُ ذَمَّا، والدليلُ على ذلك قولُه تعالى: الذين يَبْخَلونَ ويَأْمُرونَ الناسَ بالبُخْلِ (37 - النساء) . قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَن آتاه اللهُ مالًا فلم يُؤدِّ زَكاتَه مُثِّلَ له شُجاعًا أقرع له زبيبتان، يومَ القِيامةِ يأخُذُ بِشِدْقَيْه يقولُ له: أنا مالك أنا كنزُك، ثُمَّ تلا قولَه تَعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيُطَوَّقون ما بَخِلوا بِه يَوْمَ القيامة (180 - آل عمران) ، ولذا فَإِنَّ لِلبُخَلاءِ عِقَابٌ في الدُّنٍيَا وَالآخِرَةِ. وفي الحديثِ: الوَلَدُ مَجْبَنةٌ مَجْهَلَةٌ مَبْخَلَة، هو مَفعَلَةٌ مِنَ البُخْلِ ومَظِنَّةٌ لأنْ يَحْمِلَ أبَوَيْهِ على البُخْلِ ويَدعوهُما إليهٍ فَيَبْخَلانِ بِالمالِ لأَجْلِه.
بَدَأ بِه ابتداءً، وبَدَأه: فَعَله إبتداءً، وبدأَ اللهُ الخَلْقَ وأبدأهُم بِمعنى، قال تعالى: وَبَدأَ خَلْقَ الإنسانِ مِنْ طين (7 - السجدة) ، وقولُه تعالى: كَما بَدأَكُم تَعُودون (29 - الأعراف) . وفي أسماءِ اللهِ عَزَّ وجَل (المُبدئ) وهُوَ الذي أنْشَأَ الأشياءَ واخْتَرَعَها إبتداءً، مِنْ غَيرِ سابِقِ مِثال. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أوَّلًا. قال تعالى: إنَّه هُوَ يُبْدِيءُ ويُعيد (13 - البروج) أي: يبدأُ البَطْشَ بِالكُفَّارِ في الدنيا ثُمَّ يُعيدُه عليهِم في الآخِرة. وفي قولِه تعالى: قُلْ جاءَ الحقُّ وما يُبدِيءُ الباطِلُ وما يُعيد (49 - سبأ) ، أي: ذهَبَ الباطِلُ وهو الشِّرْكُ ولَمْ يَبقَ لَهُ إبْداءً أوْ إعادَةً، وهو كِنايةً عن ذَهابِهِ وإضْمِحلالِه بِالمرَّةِ، فإنَّ الإبْداءَ فِعلُ الأمرِ إبتداءً والإعادَةُ فعلُه ثانِيةً، قال الزجاج: (ما) في مَوْضِعِ نَصْب، أي: أيَّ شيءٍ يُبديءُ الباطلُ وأيَّ شيءٍ يُعيد، وتكون (ما) نَفْيًَا، والباطلُ هنا إبليس، أي: ما يَخْلُقُ إبليسُ ولا يَبْعَثُ، واللهُ عَزَّ وجل هو الخالِقُ