وَتَشاءَموا بِهِم. وجَاءَ في قولِه تَعالى إخْبَارًَا عَن قَومِ فِرعونَ: وإنْ تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ يَطَيَّروا بِموسى وَمَنْ مَعَه (131 - الأعراف) ، وأَصْلُها: يَتَطَيَّروا فَأُدْغِمَت التَاءُ باِلطاءِ. وقولُه تَعالى: ألا إنَّما طائِرُهُم عِندَ الله (131 - الأعراف) ، أَي: أَنَّ سَبَبَ شُؤْمِهِم أَعْمالٌهٌم السيِّئَةُ والمَكْذُوبًةُ عِنْدَ الله. وقَولٌه تَعالى: إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُم (18 - يس) ، مَا قَاله أهْلُ القريةِ لِلرُّسُل، قَالَ مٌجاهد: يَقولُون لَم ْيَدْخُل مِثلُكُم إلى قَرْيَةٍ الا عُذِّبَ أَهْلُها، فَقالَ لَهُم رُسُلُهمْ في قولِه تَعالى: قَالوا طَائِرُكُم مَعَكُم (19 - يس) ، أي: مَردودٌ عَليكُم وَشَقْوَتُكُم مَعكُم وهو إسْتِدَامَتُكُم على الكُفْر. أَمَّا في قولِه تَعالى: وَكُلَّ إنسانٍ أَلزَمْناهُ طَائِرَة في عُنُقِه (13 - الإسراء) ، طائِرُ الإنسانِ: عَمَلُه الذي قَلَّدَه مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ، فَكَأَنَّ عَمَلَه طَارَ إليْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ وَوَكَرِ القَدَرِ فَلازَمَهُ وَلا فِكَاكَ لَه مِنْه.
الطِّينُ: التُرابُ والماءُ المُخْتَلِط، والطينُ: الوَحْلُ، واحِدَتُه طِينَة، وأَرْضٌ طَانة كَثيرةُ الطينِ، والطَيَّانٌ: صانِعُ الطينِ وحِرْفَتُه الطِّيانَة، والطَينَة: الخَلْقُ والجِبِلَّة. قَالَ تَعالى: إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلملائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًَا مِن طِينٍ (71 - ص) ، أَعْلَمَ اللهُ سُبحانَه المَلائِكةَ أَنَّه سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِن صَلْصَالٍ مِن حَمإٍ مَسْنون، وأَمَرَهُم بَعدَ تَسويَتِه بِالسُجودِ لَهُ إكْرامًَا وَتَعْظيمًَا لأَمْرِ الله، فَسَجدوا كٌلٌّهٌم إلا إبليسَ وادَّعَى أنَّه خَيْرٌ مِنْ آدَم، قَال تَعالى: أَأَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًَا (61 - الإسراء) ، وقولُه تَعالى: أَنا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَني مِنْ نارَ وَخَلَفْتَه مِن طِين (12 - الأعراف) ، فَادَّعَي إبليسُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِن آدمَ لأَنَّهُ خَلَقَهُ مِن نارٍ، والنَّارُ أشْرَفُ مِن خِلْقَتِه مِنه وهو الطِّين، فَنَظرَ الَّلعينُ إلى أَصْلِ العُنْصُرِ وَلَمْ يَنْظُر إلى التَشريفِ العَظيمِ مِنَ الله سُبْحانَه لِمَنْ يَشاءُ، فَتَكَبَّرَ وَرَفَضَ الأَمْرَ، فَاسْتَحَقَّ الَّلْعْنَ والطَّرْدَ مِن رَحمةِ الله. ومِنَ الآياتِ التي جاءَت في خَلْقِ آدَم عليه السلام قَولٌه تَعالى: وَلَقد خَلَقْنا الإنسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِين (12 - المؤمنون) ، وقولُه تُعالى: وَبَدأَ خَلْقَ الإنسانِ مِن طِين (7 - السجدة) ، قال صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدمَ مِنْ قَبْضَةٍ مِنْ جَميعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرضِ: جاءَ مِنْهُم الأَحمرُ والأَبيضُ والأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذلِكَ والخَبيثُ والطَيِّبُ وَبَيْنَ ذلِك، فَأَصْلُهُم آدمُ ومِنْهُ خَرَجوا وانْتَشَروا. ومِنْ مُعجِزاتِ عِيسى عليه السلام في قولِه تَعالى: أَني أَخْلُقُ لَكُم مِن الطينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ فَأنْفُخُ فيه فَيَكونُ طَيْرًا بَإذْنِ الله (49 - ال عمران) ، فَكانَ عليهِ السلام يُصّوِّرُ شَكْلَ طيرٍ مِنَ الطينِ ثُمَّ يَنْفُخُ فيه فَيَطيرُ عَيانًَا بِإذنِ الله. وكانَ الطينُ مِن أَدَواتِ العَذابِ الذي نَزَلَ بِالكُفارِ والمُشركين. قَالَ تَعالى على لِسان المَلائِكَةِ: إنَّا أُرْسِلْنا إلى قَومِ مُجْرِمين لِنُرْسِلَ عَليهِم حِجَارَةً مِن طِين (32 و 33 - الذاريات) ، هُم قَومُ لوطٍ عليه السلام. والطِّينُ يُسْتَخْدَمُ في البِناءِ، جَاءَ في قولِه تَعالى على لِسانِ فِرعون: فَأَوْقِد لي يَا هَامَان على الطينِ فُاجْعَل لي صَرْحًَا (38 - القصص) ، يَعْنى أَنْ يَعْمَلَ لَه آجْرًا لِبِناءِ الصَّرْحِ وهُوَ القَصْرُ المُنيفُ الرَّفيعُ العَالي.