عَلى المُسلمين بِلا حَربٍ وَلا إيجافٍ، فَعَليهِ مِثْلُ الجِزْيَةِ وَمَا صُولِحُوا عَليه. وفي قولِه تَعالى: فَعِنْدَ اللهٍ مَغانِمُ كَثيرة (94 - النساء) ، أَي: خَيْرٌ مِمَّا رَغِبْتُم فيهِ مِنْ عَرَضِ الحياةِ الدُنيا الذي حَمَلَكُم على قَتْلِ مِثلِ هَذا الذي أَلْقَى عليكُم السلامَ وأَظْهَرَ لكُم الإيمانَ فَتَغافَلْتُم عَنه واتَّهَمْتُوه بِالمُصانَعةِ والتُقْيَةِ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحياةِ الدَنيا، فَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرِّزْقِ الحَلالِ خَيرٌ مِنْ مَالِ هَذا.
في أَسماءِ اللهِ عَزَّ وِجَل: الغَنِيُّ وَهُوَ الذي لا يَحْتَاجُ إلى أَحَدٍ فِي شيءِ وَكُلُّ أَحَدٍ يَحْتاجُ إليه فِي كَلِّ شَيء، وهَذا هو الغِنَي المُطْلَق وَلا يُشارِكُهُ فيه أَحَد، وَهُوَ سُبحانَه الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ، الغَنِيُّ الحميد، الغني الكَريم، الغني الحَليم، قَال تَعالى: أَنْتُم الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميد (15 - فاطر) . والغِنَى ضِدُّ الفَقْرِ، قَال تَعالى: إنْ يَكُنْ غَنِيًَّا أَو فَقيرًا فَاللهُ أَوْلى بِهِمَا (135 - النساء) . والغِنَى: عَدَمُ الحاجَاتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلا للهِ تَعالى، أَو قِلَّةِ الحاجَاتِ وَهُوَ المُشارُ إليه في قولِه تَعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8 - الصحى) ، أَي: أَرضاكَ بِما أَعْطاكَ مِنَ الرِّزْقِ، وذَلِكَ هو المَذكورُ في قولِه صلى الله عليه وسلم: الغِنَى غِنَى الَّنفْسِ، أَو أَنَّ الغِنى: كَثْرَةُ القِنْياتِ بِحَسَبِ ضُروبِ الناسِ، كَقَولِهِ تَعالى: الذينَ يَسْتَأْذِنُونُكُ وَهُم أَغْنِياء (93 - التوبة) ، وقولُه تَعالى في افْتِراءِ اليَهودِ: لَقَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الذين قَالوا إنَّ اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ (181 - آل عمران) ، قَالوا ذلِكَ حيثُ سَمِعُوا قولَه تَعالى: مَنْ ذَا الذي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًَا حَسَنًا (245 - البقرة) ، وَهو سُبحانَه يُغْنِي مَنْ يَشاءَ مِن عِبادِه. قَال تَعالى: وإنْ خِفْتُم عَيْلَةً فَسوفَ يُغْنيكُم اللهُ مْنِ فَضْلِه (28 - التوبة) ، وَقَد أَغْناهُم اللهُ سُبحانَه بَعْدَ أَنْ مَنَعَ المُشِرْكينَ (وكانوا أَهْلَ تِجارة) عَنِ المَسجدِ الحَرامِ لأَنَّهُم نَجِسُون. وقَولُه تَعالى: وأَنَّهُ هُو أَغْنَى وأَقْنَى (48 - النجم) ، أَغْنَى الناسَ بِالمالَ وَجَعَلَ لهُم قُنْيَةً مِنَ الرِّضَا والإيمانِ. وقولُه تَعالى: يَحْسَبُهُم الجاهِلُ أَغنياءَ مِنَ التَعَفُّفِ (273 - البقرة) ، أَي: لَهُم غِنَى النفسِ، وَيَحْسَبهُمُ الجاهِلُ أَنَّ لَهُم القُنْيَاتُ لِمَا يَرَوْنَ فيهِم مِنَ التَعَفُّفِ والتَلَطُّفِ، وعَلى هذا قولُه صلى الله عليه وسلم لِمُعاذ حين أَرْسَلَه إلى اليَمن: خُذْ مِن أَغنيائِهِم وَرُدَّ على فَقرائِهم. واستَغْنَى الرجلُ: أَصابَ غِنىً، قَال تَعالى: كَلا إنَّ الإنسانَ لَيَطِغى أَنْ رآهُ اسْتَغْنَى (7 - العلق) : يَطْغَى الإنسانُ إذا أَصابَ ثَراءً إلا مَنْ رَحِمَ الله. وقولُه تَعالى: أمَّا مَن اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَه تَصَدَّى (5 - عبس) ، نَزَلَت في عبدِالله بنِ اٌمِّ مَكتوم الذي تَشاغَل عَنه النبيُّ النبي صلى الله عليه وسلم طَمَعًَا في إسلامِ مَنْ كَانَ يُخاطِبِهُم مِنْ كُفَّارِ قُريش، أَثْريائِهم وزُعمائِهِم. وَيُقال: مَا لَكَ عَنهُ غِنَى، أَي: مَالَكَ عَنْهُ بُدٌّ، فَهوَ يَحمِلُ عَنكَ وَيَرفَع، ويُجْزِئُ عَنكَ وَيَنْفَعكَ، قَال تَعالى: إنَّا كُنَّا لكُم تَبَعًا فَهَل أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصيبًَا مِنَ النَّار (21 - ابراهيم) ، وَقَالَ تَعالى: إذْ أَعْجَبَتْكٌم كَثْرَتُكُم فَلَم تُغْنِ عَنكُم شَيئًا (25 - التوبة) . وفي قولِه تَعالى فِيمَن كَذَّبَ شُعيبًَا عليه السلام: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها (92 - الأعراف) ، وكذلِكَ فِي كُفَّارِ ثَمود، وَقَد فَسَّرَها ابنُ عباس رَضِي الله عنه: كَأَنْ لَمْ يَكُونوا، وَهُوَ مِنْ قَبيلِ التَعريبِ الشَّائِعِ في (غَنِىَ بِالمكانِ) بِمَعنى: أَقامَ فِيه، وَقَد رَبَطَ الراغِبُ الغِنى بِالمَكانِ بِأَصْلِ دَلالَةِ المَادَّةِ على الإسْتِغناءِ قَال: غَنِيَ في المَكانِ بِمَعنى طَالَ مُقَامُه فيهِ مَسْتَغْنِيًَا عَنْ غَيرِه، وَلِذا غَرَّ ثَمودَ وقومَ شعيبٍ مُقامَهُم بِدِيارِهِم فَأَخَذَتْهُم الصَّيْحَةُ والرَّجْفَةُ فَأَصْبَحوا جَاثِمين كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها، أَي: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِم نَاعِمِي البَالِ وفِي رَخَاءٍ مِنَ العَيْشِ. وََكَذلِكَ مَثَلُ الحياةِ الدُنيا فِي قولِه تَعالى: فَجَعَلْنَاها حَصِيدًا كَأَنْ لَم تَغْنَ بِالأَمْسِ (24 - يونس) ، فَلَيْسَ مِن شَأنِ الدُّنْيَا أَنْ يَكونَ فِيها مَغنى إلا غُرُورًا وَوَهْمًَا. قَالَ تَعالى: إنَّهُم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شيئًَا (19 - الجاثية) ، فَالذينَ يَدْعُونَكَ إلى إتِّبَاعِ أَهوائِهِم لَنْ يَدْفَعوا عَنكَ عِقابَ اللهِ إنْ إتَّبَعْتَهُم. وقولُه تَعالى في أَهوالِ يومِ القِيامَة: لِكُلِّ إمرِيءٍ مِنْهُم يَومَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيه (37 - عبس) ، أَفْضَى إلى كُلِّ إنسانٍ ما يَشْغَلُه عَن الناسِ حَتى لَو كَانوا أَقْرَبِهُم إليه كَأُمِّه وأَبيهِ وَزَوْجِه وَبِنِيه. وَيُقال: غَنَّى بِالرجلِ وَتَغَنَّى بِه: مَدَحَه أَو هَجاه. والغانِيَة: المُسْتَغْنِيَة بِزَوجِها عَن