(100 - طه) . وَقَولُه تَعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (164 - الأنعام) ، جَاءَ هَذا النَّصُّ فِي خَمْسِ آياتٍ أُخْرَى، وَمَعناهَا لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَة وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرَى. وفِي الوَزيرِ الذي يَحْمِلُ الهَمَّ والعِبْءَ، قَال تَعالى: وَاجْعَل لِي وَزيرًَا مِنْ أَهْلِي (29 - طه) ، مُعِينًَا وَظَهيرًَا فِي إبْلاغِ الرِّسَالَةِ. وَقِيلَ لَه (وزير) لأَنَّه يَزِرُ عَن السُلْطانِ أَثْقَالَ مَا أُسنِد إلَيْهِ مِن تَدبيرِ المَمْلَكَةِ، أَي: يَحْمِلُ عَنْهُ مَا حُمِّلَه مِنَ الأَثْقَالِ والذي يَلْتَجِيءٌ الأَمِيرُ إلي رَأْيِهِ وَتَدْبيرِه. وَقَوْلُه تَعالى: وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًَا مِنْ زِينَةِ الَقومِ (87 - طه) ، أَي: أَثْقَالًا وَأَحْمَالًا مِن زِينَةِ القِبطِ.
وَزَعَه وبه يَزَعُ وَزْعًا: كَفَّه فَاتَزَعَ، وَأوْزَعَه الشيءُ: أَغْرَاه بِه. ولَعَلَّ أَصْلَ المَعنى فِي الُّلَغةِ العَرَبِيَّة: الَّدْفُع والسَّوْقُ قَسْرًَا، فَالمُوزَع مُساقٌ بِإِرَادَةِ غَيْرِه، وَيَأْخُذُ الدَّفْعَ صِفَةَ الإرْغامِ فَيمَن يُوزَعُون إلى الَمحْشَر وَيَأخُذُ صِفَةَ الحَمْلِ والتَوْصِيَة فِي الدُّعاءِ كَما سَنَرى فِي بَعضِ الآياتِ لاحِقًَا. وَمِن مَلْحَظ التشتُّت وَالحِيرَة وَالبَعْثَرَة فِي سَوْقِ الجَمْعِ قَسْرًَا جَاءَ بِمَعنى التَفَرُّقِ وَالإنْتِشارِ فِي الأَوزاعِ، قَالَ تَعالى: وَيَومَ نَحْشُر مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًَا مِمَّن يُكذِّبُ بِآيَاتنَا فَهُم يُوزَعُون (82 - النمل) ، وَقَولُه تَعالى: وَيَومَ يُحشَرُ أَعْداءُ اللهِ إلى النَّارِ فَهُم يُوَزعُون (19 - فُصلت) ، أَي: تُستَوقَفُ سَوابِقُهُم لِيَلْحَقَ بِهم أَوَاخِرُهُم حَتى يَجْتَمِعوا فَإذا تَكَامَلَت الأَعْدادُ سِيقُوا إلى النَّارِ، فَهذَا وَزْعٌ عَلى سَبيلِ العُقُوبَةِ. وَهُوَ كِنايَة عَن كَثْرَتِهِم، مِنَ الوَزْعِ وَهُو المَنْع، أَو يُساقُونَ وَيُدفَعُونَ إلى النَّار. وَقَولُه تَعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُه مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ واَلطيرِ فَهُم يُوزَعُون (17 - النمل) ، فَسَّرَ الرَّاغِبُ الوَزْعَ هُنا بِالكَفِّ عَلى سَبيلِ القَمْعِ، وَفَسَّرها ابنُ عَباس (في جنود سليمان عليه السلام) يِحَبْسِ أَوَّلِهِم عَلى آخِرِهِم حَتى تَنامَ الطيرُ، إشارةً إلى أَنَّهُم مَعَ كَثْرَتِهِم وَتَفاوتِهِم لَمْ يَكونوا مُهْمَلِينَ وَمُبْعَدينَ كَمَا يَكونُ الجيشُ الكَثِيرُ المُتأذِّي بِمَعَرَّتِهم بَلْ كَانُوا مَسوسِين وَمَقْمُوعِين، وَيُلاحَظُ فِي الآياتِ الثَّلاثِ آنِفًَا أَنَّ الفِعْلَ جاءَ مُضارِعًَا مَبَنِّيًَا لِلمَجهولِ، وَجاءَ فِعلُ الأَمْرِ فَي آيَتي النَّمْلِ (19) والأحقاف (15) فِي قولِه تَعالى عَلى لِسانِ سُلَيْمَانَ عَليه السلام: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلي، أَي أَلْهِمْنِي شُكرَ نِعْمَتِكَ بِالنُبُوَّةِ وَالمُلْكِ وَالعِلْمِ، مَنَ الوَزْعِ وَهُوَ الكَفُّ وَالمَنْعُ، أَي: كُفَّنِي عَمَّا يُؤَدِّي إلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ بِأَن تُلهِمَنِي مَا بِه تَقْييدُهَا مِنَ الشُكْرِ، أَي إجْعَلْنِي أَزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِكَ أَي أَكُفَّه وَأَرتَبِطَه بِحَيْثُ لا يَنْفَلِتُ حَتى لا أَنْفَكَّ شَاكِرًَا لَكَ، وَهُوَ مَجازٌ عَن مُلازَمَةِ الشُّكْرِ وَالمُداومَةِ عَليه، أَو رَغِّبْنِي وَادْفَعْنِي إلى شُكْرِ النِّعْمَةِ مِن أوْزَعَه بِالشيءِ: أَغْرَاه بِه، فَهُوَ مُوزَعٌ أي مُغْرَى بِه. والوَازِعُ بِالحربِ المُوكَل بِالصُّفُوفِ يَزَعُ مَنْ تَقَدَّم مِنْهُم بِغَيْرِ أَمْرِه. وَيُقال: وَزَعْتُ الجيشَ إذا حَبَسْتُ أوَّلَهُم عَلى آخِرِهِم. وفِي حديثِ الحَسن لَمَّا وَلِيَ القضاءَ قَال: لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِن وَزع، أَي: أَعْوان يَكُفونَهُم عَن التَعدِّي وَالشَرِّ وَالفَسادِ. وفِي الحديثِ: مَنْ يَزِع السُلْطانُ أَكْثَر مِمَّن يَزِع القُرآن، مَعْنَاه أَنَّ مِن يَكُفَّ عَن إرْتِكابِ العَظائِم أَكْثَر مِمِّن تَكُفُّه مَخَافَةُ القرآنِ والله تَعالى. وَالتَوزِيعُ: القِسْمَةُ وَالتَفْرِيقِ، وَتَوزَّعُوه فِيمَا بَيْنَهُم: تَقاسَموه.
الوزن ثَقلُ الشيءِ بِشيءٍ مِثْله، وِيُقال للآلَةِ التي يُوزَن بِها الأشياء: مِيزَان، وِقِيلَ أَصْلُه مِوْزان، إنْقَلَبَت الوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا وَجَمْعُه مَوازِين. قَالَ تعالى: وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ (47 - الأنبياء) ، قِيلَ هِيَ الكُتُبُ التي فِيهَا أَعْمالُ الخَلْقِ. وَجاءَ فِي الخَبَرِ أَنَّه مِيزان لَه كَفَّتَان. قَالَ تَعالى: وَالوَزْنُ يَومَئِذٍ الحَقُّ (8 - الأعراف) ، أَي: العَدْلُ الذي لا ظُلْمَ فِيه لِصحائِفٍ الأَعُمَالِ، وفِي هَذا يَقُولُ سُبْحانَه: فَمَن ثَقُلَت مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُم المُفْلِحُون ومَن خَفَّتْ مَوَازِينُه فَأُولئِكَ الذينَ خَسِروا أَنْفُسَهُم بِما كَانوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُون (8 و 9 - الأعراف) ،