حَسُنَ كَلامُه، وَلِهذَا يُوصَفُ الفَصيحُ بِكَثْرَةِ الرِّيقِ، وَيُقال: نَدِىً وأَنْدَاء وَأَنْدِيَة، وَيُسَمَّى الشَّجَرُ نَدَى لِكَوْنِه مِنْهُ. وَعُبِّرَ عَن المُجُالَسةِ بِالنَّدَاءِ حَتى قِيلَ لِلمَجْلِسِ: النَّادِي وَالمُنْتَدَى وَالنَّدِيُّ، وَقِيلَ ذلِكَ للِجَلِيسَ، قَال تَعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17 - العلق) ، أَي: قَوْمَه وَعَشِيرَتَه يَسْتَنْصِرُ بِهِم. وَقَالَ تَعالى: وَتَأءتُونَ فِي نَادِيكُم المُنْكَر (29 - العنكبوت) ، أَي: يَفْعَلُونَ مَا لا يَلِيقُ مِنَ الأَقْوالِ وَالأَفْعالِ كَالفَاحِشَةِ وَغَيْرِها مِنَ الفُجُورِ فِي مَجَالِسِهِم التي يَجْتَمِعُونَ فِيها. وَمِنْهُ سُمِّيَت دَارُ النَّدْوُةِ بِمَكَّة، وَهُوَ المَكانُ الذي كَانوا يَجْتَمِعُونَ فِيه. وَيُعَبَّرُ عَن السَّخَاءِ بِالنَّدَى، فَيُقَالُ: فُلانٌ أَنْدَى كَفًَّا مِن فَلان، وَهُوَ يَنْتَدِي عَلى أَصْحابِه، أَي: يَتَسَخَّى.
النَّذْرُ: أَنْ تُوجِبَ عَلى نَفْسِكَ مَا لَيْسَ بِواجِبٍ لِحُدوثِ أَمْرٍ، كَقولِكَ: نَذَرْتُ عَلى نَفسي، أَي: أَوْجَبْتُ عَلى نَفسي شَيئًَا تَبَرُّعًَا مِنْ عِبادَةٍ أَو صَدَقَةٍ أَو غَيْرِ ذلِكَ، وَلِذا قِيلَ لَه (نَذْرٌ) لأَنَّه نُذِر فِيه، أَي: أوْجَبَ. قَال تَعالى: وَمَا أَنْفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ أَونَذَرْتُم مِنْ نَذْرٍ فَإنَّ اللهَ يَعلَمُه (270 - البقرة) ، فَمَن كانَ نَذْرُه فِي طَاعَةِ اللهِ وَتَقَرُّبًَا إلَيه كَانَ لَه الثَّوَاب، وَمَن كانَ نَذْرُه لِلشَّيْطَانِ كَانَ عَليهِ العِقاب. والنَّذْرُ واجِبُ الوَفَاءِ كَما فِي قَولِه صلى الله عليه وسلم: فَإنَّ الذي نَذَرْتُمُوه لازِمٌ عَليكُم، وَفِي صِفَةِ المُؤمِنين يَقولُ تَعالى: يُوُفونَ بِالنَّذْرِ (7 - الإنسان) ، بَرُّوا بِوَفائِهِم بِالنُّذُورِ فَسَمَّاهُم اللهُ تعالى: الأَبْرار، وَقَولُه تَعالى في إمْرَأةِ عِمْران أُمِّ مريم وَابْنِها عِيسى عَليهِم السلام: إِنِّي نَذَرْتُ لكَ مَا فِي بَطْني مُحَرَّرًَا (35 - آل عمران) ، مُحَرَّرًَا وَخالِصًَا لِعِبادَتِكَ وَخِدْمَةِ بَيْتِكَ، وَقَال تَعالى عَلى لِسانِ مَرْيَم: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًَا (26 - مريم) ، أَي: عَن الكَلام. وَلا بُدَّ لِلكَفَّارَةِ لِمَن لَم يَسْتَطِع الوَفاءَ بِنَذْرِه. وَأَنْذَرَه بِالأَمْرِ: أَعْلَمَه مَعَ التَخْويفِ والتَّحْذِيرِ، كَما أَنَّ التَّبْشِيرَ إخْبَارٌ فِيه سُرُور. قَالَ تَعالى: فَأَنْذَرْتُكُم نَارًَا تَلَظَّى (14 - الليل) ، وَقَالَ تَعالى: فَأَنْذَرْتُكُم صاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود (13 - فصلت) ، فَهَذا إنْذَارٌ وَتَهدِيدٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ الرُّسُلِ عَليهِم السَّلام، كَمَا جاءَ الإنْذَارُ مِنَ الرُّسُلِ عَليهِم السَّلامُ لأَقوامِهِم بِدَعْوَتِهِم إلى التَّوْحيدِ، قَال تَعالى: وَأذْكُر أَخَا عَادٍ إذْ أَنْذَرَ قَومَه بِالأَحقافِ (21 - الأحقاف) ، وَلَمَّا نَزَل قَولُه تَعالى لِلرسولِ صلى الله عليه وسلم: وَأَنْذِر عَشيرَتَكَ الأَقْرَبِين (214 - الشعراء) ، اسْتَدْعَى أَهْلَه وَعَشيرَتَه وَصَعَدَ الصَّفَا قَائِلًا: أَرَأَيْتُم إنْ أَخْبَرْتُكُم أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذا الجَبَلِ أَكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قَالوا: مَا جَرَّبْنَا عَليكَ كَذِبًَا، فَقَالَ إنِّي لَكُم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيد، وَنَعْلَمُ مَا كَانَ مِن شَأْنٍ أَبي لَهَب يَومَها. قَالَ تَعالى فِي تَكريمِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم: إنَّا أَرْسَلْناكَ شَاهِدًَا وَمُبَشِّرًَا وَنَذِيرًا وَداعِيًَا إلى اللهِ بِإذنِه وَسِراجًَا مُنِيرًَا (45 و 46 - الأحزاب) ، وَالنَّذِيرُ بِمَعْنَى المُنْذِر وَهُوَ النَّبِيُّ المُرْسَل، قَال تَعالى: إنِّي أَنَا النَّذِيرُ المُبِين (89 - الحجر) ، مَا قَاله الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم لِقَوْمِه، وَالجَمْعُ: مُنْذِرُون، قَال تَعالى: كَانَ الناسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين وَأَنْزَلَ مَعًهُم الكِتابَ (213 - البقرة) ، وَقَال تَعالى: لِئَلا يَكونَ لِلناسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ (165 - النساء) . وَجَمْعُ النَّذِير: النُّذُر، وَهُوَ الإسْمُ مِنَ الإنْذَارِ، قَالَ تَعالى: وَلَقَد جاءَ آلَ فِرعونَ النُّذُر (41 - القمر) ، أَي: الإنْذَار. وَقَولُه تَعالى: فَكَيْفَ كَانَ عَذابِي وَنُذُر (16 - القمر) ، نَزَلَت الآيةٌ بَعْدَ العَذابِ الذي نَزَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ وَصَالِحٍ وَهُودٍ وَلُوطً عَلَيْهِم صَلَواتُ اللهِ وَسَلامٌه كما جاء في سُورَةِ القَمَرِ، وَهُوَ إنْذارٌ لِمَنْ كَفَرَ مِن قُرَيْشٍ وَتَحْذيرٌ لَهُم أَنْ يَحِلَّ بِهِم عَلى تَمادِيهِم فِي غَيِّهِم. وقَولُه تَعالى: هَذا نَذيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى (56 - النجم) ، مِنْ جِنْسِ مَا أُنْذِرَ بِه الذينَ تَقَدَّموا. وَقولُه تَعالى: فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنْذَرِين (73 - يونس) ، أَي: مَن أُنْذِرُوا. وقد نَذِرْتُ، أَي: عَلِمْتُ بِذلِكَ وَحَذِرْتُ. وقَوْلُه تَعالى: عُذْرًَا أَو نُذْرًَا (6 - المرسلات) ، مَصْدَر، وإنْتِصَابُهُمَا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، وَمَعْناه: ذِكْرًَا لِلإعذَارِ أَو لِلإنْذَارِ.